راما الجراح - خاصّ الأفضل نيوز
لم تعد أزمة فقدان مادة الإسمنت في البقاع مجرد أزمة مرتبطة بقطاع البناء، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية تطاول مختلف القطاعات المرتبطة بحركة الإعمار والإنماء. فمع استمرار النقص الحاد في المادة وارتفاع أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة، دخلت مئات الورش في حالة جمود، فيما امتدت التداعيات إلى عشرات المهن والمؤسسات التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على قطاع البناء.
وعلى الرغم من صدور قرار مجلس الوزراء رقم 16/2026 بتاريخ 15 نيسان 2026، الذي أتاح لشركات الإسمنت استثمار المقالع ضمن شروط بيئية محددة، ومنح الضوء الأخضر لشركات كبرى، أبرزها "الترابة الوطنية" (إسمنت السبع) و"هولسيم لبنان"، فإن التعقيدات الإدارية والتأخر في استكمال بعض التراخيص أبقيا الأزمة قائمة. وفي المقابل، استمرت "ترابة سبلين" بالإنتاج منفردة، ورغم عملها بطاقتها القصوى لتغطية جزء من حاجة السوق، لم تتمكن من سد النقص الحاصل، ما أدى إلى اضطراب السوق وارتفاع الأسعار بشكل كبير.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول ما إذا كانت أزمة الإسمنت في لبنان لا تزال قضية صناعية فحسب، أم أنها تحولت إلى أزمة تطاول كل مواطن. فبين قرارات الإقفال وإعادة التشغيل، ارتفع سعر طن الإسمنت من نحو 92 دولاراً قبل الأزمة إلى أكثر من 300 دولار في السوق السوداء، فيما تجاوز في بعض المناطق عتبة 400 دولار للطن الواحد، الأمر الذي دفع العديد من المواطنين والمتعهدين إلى تجميد مشاريعهم أو تأجيلها بانتظار عودة الأسعار إلى مستويات مقبولة.
في البقاع، انعكس هذا الواقع مباشرة على حركة البناء، حيث توقفت مئات الورش عن العمل وتراجعت الحركة العمرانية بشكل ملحوظ. ولم يقتصر التأثير على المتعهدين وأصحاب المشاريع، بل امتد إلى مختلف المهن المرتبطة بالقطاع، من مهندسي الكهرباء والتمديدات الصحية إلى النجارين وعمال الديكور الداخلي والخارجي، وصولاً إلى معامل المفروشات التي تعتمد على ازدهار قطاع البناء لتصريف إنتاجها. كما تواجه عشرات شركات الباطون الجاهز خطر تقليص أعمالها أو تسريح عدد من العمال، فيما توقفت أو تباطأت مشاريع بلدية وإنمائية عديدة نتيجة عدم القدرة على تأمين المادة الأساسية للبناء.
ويؤكد أحد أصحاب مصالح البناء في البقاع لموقع "الأفضل نيوز" أن الأزمة تحولت إلى تهديد مباشر لمصدر رزق آلاف العائلات، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الزبائن أوقفوا مشاريعهم أو أجّلوها بسبب الأسعار المرتفعة وصعوبة تأمين المادة. ويقول إن حركة العمل تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة، وإن الخسائر لا تقع على أصحاب الورش فقط، بل تطاول العمال والحرفيين الذين يعتمدون على هذا القطاع مصدراً أساسياً للدخل، محذراً من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى مزيد من الركود الاقتصادي، خصوصاً مع دخول موسم الصيف الذي يشهد عادة نشاطاً واسعاً في أعمال البناء والترميم.
وفي هذا السياق، حذّرت نقابة البناء ومشتقاته في البقاع وبعلبك – الهرمل من أن ما يجري ليس أزمة طارئة، بل نتيجة تراكم سنوات من الإهمال والتأخر في معالجة ملفات المقالع والكسارات والتراخيص، إضافة إلى ضعف الرقابة على الأسواق، ما ساهم في خلق حالة من الفوضى والاحتكار انعكست مباشرة على الأسعار وتوافر المواد. وأكدت النقابة أن قطاع البناء شكّل لعقود ركيزة أساسية للاقتصاد البقاعي ومصدراً لعيش آلاف العائلات، إلا أنه يقف اليوم أمام تحدٍّ حقيقي يهدد استمراريته، مطالبة الدولة بالتحرك السريع لتنظيم الإنتاج وتسهيل الاستيراد وكسر الاحتكار وتفعيل الرقابة على الأسواق.
وتعيد الأزمة إلى الواجهة ملف صناعة الإسمنت في لبنان، حيث تشغل المقالع ومصانع الإسمنت نحو مليون وثمانمئة ألف متر مربع، وسط جدل مستمر بين متطلبات حماية البيئة والحفاظ على الإنتاج المحلي. ويرى معنيون أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بنقص الإنتاج، بل بطريقة إدارة هذا الملف، في ظل غياب رؤية واضحة تضمن استمرارية الإنتاج ومنع الاحتكار وحماية المستهلك في الوقت نفسه.
وفي المقابل، أكد رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه سجيع عطية أن أزمة الإسمنت تتجه نحو الحل، معلناً أن المادة ستكون متوافرة في مختلف المناطق اللبنانية مع نهاية الأسبوع المقبل وبأسعار مدروسة وفق آليات وزارة الاقتصاد، وذلك بعد الضغوط الكبيرة التي فرضتها الأزمة على المواطنين وقطاع البناء، ولا سيما مع اقتراب موسم الصيف وازدياد الحاجة إلى مواد البناء في ظل ورش إعادة الإعمار.
وبين الوعود الرسمية بانفراج قريب والتحذيرات المتصاعدة من تداعيات الأزمة، يبقى قطاع البناء في البقاع في حالة ترقب. فمواجهة الاحتكار وإعادة التوازن إلى السوق لم تعودا مطلباً مهنياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية لحماية آلاف فرص العمل ومنع المزيد من الخسائر. فالبقاع لا يواجه اليوم أزمة إسمنت فقط، بل أزمة تطاول دورة اقتصادية كاملة ترتبط بها عشرات المهن والقطاعات، ما يجعل الإسراع في معالجتها ضرورة ملحّة قبل أن يتحول الجمود الحالي إلى واقع يصعب تداركه.

