نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
لافتٌ جداً قول الديبلوماسي الأميركي المخضرم دنيس روس الذي كان يضع نجمة داود على مكتبه في وزارة الخارجية ، "أن مستتقبل إسرائيل رهن بالدور الاستراتيجي التركي ، لا بالدور الاستراتيجي الإيراني ، في الشرق الأوسط". رأى أن ما قامت به إيران على مدى عقود ، في المجال الجيوسياسي ، للوصول الى ضفاف المتوسط ، كهاجس أمبراطوري قديم ، إنما كان "حالة عبثية" انتهت الى المشهد الحالي في المنطقة بعد التغيير الذي حدث في سوريا ، بالتداعيات التراجيدية على الدور الايراني..
روس ، وهو بمثابة الدينامو، بالتجربة الديبلوماسية الطويلة والمعقدة ، داخل اللوبي اليهودي ، والأكثر تأثراً بأفكار هنري كيسنجر ، يرى أن وضع أنقرة مختلف كثيرأ عن وضع طهران داخل الأوقيانوس العربي ، وان كانت ذكرى السلطنة لا تزال ماثلة في الرؤوس . تركياً التي تتاخم سوريا (911 كيلومتراً) ، بالعلاقات الوثيقة بين البلدين ، أقرب جغرافياً الى إسرائيل ، كما تربطها علاقة إيديولوجية مع المحيط العربي ، خلافاً لإيران بالبعد الجغرافي ، وبالترسبات التاريخية والإيديولوجية.
وكون تركيا عضواً في حلف الأطلسي ، وتستضيف في قاعدة إنجرليك 50 قنبلة نووية أميركية منذ أيام الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو . أتاح ذلك للرئيس أردوغان أن يلعب جيوسيساسياً بصورة أقل صعوبة ، وأن يطور إمكاناته في مجال التكنولوجيا العسكرية ، بإنتاج طائرة شبحبة من الجيل الخامس "كآن" (KAAN ) , بعدما امتنعت واشنطن، بضغط من تل أبيب ، عن تزويده بطائرات "35 ـ F " ، وأن بمحركات أميركية من طراز "110 ـ F " ، ولكن بخطط لتصنيع المحركات محلياً ، وكذلك البدء ببناء حاملة طائرات بطول 285 متراً وبحمولة 60000 طن على أن تدخل الخدمة بحلول عام 2030 .
وكما هو معلوم فإن العلاقات بين أنقرة وتل أبيب مرت بفترات ذهبية طويلة ، الى أن بدأت بالانحدار مع الزحف البربري الإسرائيلي على غزة ، وتنفيذ مجازر يومية بالفلسطينيين ، لتصل تلك العلاقات الى ذروة التوتر بإعلان بنيامين نتنياهو أنه في مهمة روحية لإقامة "إسرائيل الكبرى" ، ما يعني انتقال إسرائيل الى الحدود مع تركيا ، وربما اقتطاع أجزاء من الأناضول ، ليبدأ هجوم أردوغان على السياسات الهيستيرية لحكومة نتنياهو ، فيما رأى المعلق التركي كمال أوزتوك ، وهو مستشار سابق لاردوغان ، أن تركيا ستكون الهدف التالي لتلك الحكومة بعد تقويض النظام ، وربما الدولة ، في إيران.
من يتابع التعليقات في وسائل الاعلام الإسرائيلية يلاحظ أن زعيم الليكود أمر بتدمير البنى التحتية للجيش السوري ، وكذلك الترسانات العسكرية كما أنه احتل الجزء السوري من جبل الشيخ بالحساسية الاستراتيجية الفائقة والتوغل في الأراضي السورية بذريعة منطقة عازلة بالتالي أن يكون الجنوب السوري (بوابة دمشق) منزوع السلاح بهدف منع الجيش التركي والاقتراب من الحدود مع مرتفعات الجولان المحتل.
الكلام الأخير لأردوغان أثارعاصفة من التساؤلات التساؤلات الوجودية في الدولة العبرية . لكأنه هز عظام تيودور هرتزل . قال "إن أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي جنوب البلاد بل من حلب ودمشق وبيروت ... ونحن ندرك جيداً ما الهدف النهائي لأوهام أرض الميعاد . بإذن الله لن نسمح بذلك أبداً ... ولن نسمح بفرض أمر واقع في بلدان أشقائنا ولا نتغاضى عن أي هجوم يستهدفهم".
الرئيس التركي اعتبر أنه "اذا لم يتم وضع حد لبلطجة إسرائيل فلن تدفع المنطقة وحدها ثمن ذلك بل الإنسانية باسرها" ملاحظاً أن إسرائيل التي "ترتكب أكبر الإبادات الجماعية دموية في تاريخ البشرية هاجمت في الوقت نفسه ايران ودون أن تكتفي بذلك فبدأت في احتلال لبنان" مذكّراً بأن إسرائيل "لم تتوقف هنا وإنما انخرطت في مسعى حثيث لزعزعة استقرار الدول الأفريقية (من خلال القاعدة العسكرية في صوماليلاند) ودول البحر المتوسط".
بطبيعة الحال كان رد نتنياهو في منتهى العنف تصوروا أن يصف أردوغان وهو الذي بمواصفات مصاص الدماء أو حتى بمواصفات الشيطان كما رأى فيه المفكر الفلسطيني رشيد الخالدي بـ"مجرم حرب" لنرى مقالات قي وسائل الإعلام الاسرائيلية كما في أبحاث "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" الذي يموله اللوبي اليهودي محاولة للحث على القيام بحرب استباقية ضد تركيا . أي حالة من الجنون أصابت هؤلاء الذين لولا الإمدادات الأميركية الهائلة لكانوا الآن يقبعون في قبورهم؟
ردة فعل رئيسة بلدية عنتاب الكبرى فاطمة شاهين "مثلما صنعنا سجاد الجامع الأموي في دمشق وأدينا صلاة الشكر سنصنع سجاد غزة ونحتفل باعمارها ونؤدي هناك صلاة الشكر" . وكنت قد أجريت مقابلة مع الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين قال فيها كلاماً أثار آنذاك المحافل العربية "ان أكبر كارثة ألمّت بالعالم العربي في العصر الحديث هي سقوط السلطنة العثمانية" بعدما لاحظ ما فعله الغرب للعرب من اغتصاب فلسطين وتزويد إسرائيل بكل وسائل التفوق ودائماً بالنزعة الاسبارطية لتكون الخنجر في الخاصرة العربية والحيلولة دون المجتمعات العربية والتفاعل الخلاق مع الدينامية التكنولوجية للقرن.
لا دونالد ترامب يفهم الشرق الأوسط ولا بنيامين نتنياهو. الاثنان في دوران سيزيفي داخل الدائرة المقفلة. كلام للمؤرخ الإسرائيلي بن موريس عن "الزلزال التركي الذي يهدد وجودنا كإسرائيليين". ولكن هل ترى فينا إسرائيل كائنات بشرية؟!

