نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
لم تعد قضية المرأة اللبنانية اليوم متعلقة فقط بالمطالبة بالمساواة أو زيادة المشاركة في سوق العمل، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها لبنان. فمع تراجع الرواتب والأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، وجدت آلاف النساء أنفسهن أمام واقع جديد فرض عليهن أدواراً ومسؤوليات لم تكن مطروحة بالدرجة نفسها في السابق، ما جعل حضورهن في الحياة الاقتصادية أكثر ضرورة منه خياراً.
وفي ظل هذا التحوّل، لم يعد دور المرأة يُفهم ضمن إطار تقليدي ثابت، بل أصبح يتشكل باستمرار وفقاً للضغوط الاقتصادية وتغير البنى الاجتماعية داخل الأسرة.
وبينما أدّت هذه الظروف إلى تعزيز مشاركتها في سوق العمل، فإنها في الوقت نفسه أعادت طرح قضية توزيع الأدوار داخل الأسرة ومدى الموازنة بين المسؤوليات المهنية والمنزلية.
ومن هنا، تبرز إشكالية هذا الموضوع في التساؤل الآتي: إلى أي مدى ساهمت الأزمة الاقتصادية في لبنان في إعادة تشكيل دور المرأة داخل الأسرة وسوق العمل، وهل أدّى هذا التحول إلى تعزيز مكانتها الاجتماعية فعلاً أم إلى مضاعفة أعبائها؟
المرأة اللبنانية: وجهان لدورٍ واحد
من هنا يجمع خبراء اجتماعيون عبر "الأفضل نيوز" على أن "الأزمة الاقتصادية دفعت العديد من النساء إلى دخول سوق العمل أو زيادة مشاركتهن فيه بهدف دعم الأسرة وتأمين احتياجاتها الأساسية، غير أن هذا الانخراط لم يؤدّ بالضرورة إلى تخفيف أعبائهن، بل أضاف مسؤوليات جديدة إلى الأدوار التقليدية التي ما زلن يقمن بها داخل المنزل؛ فالمرأة التي تعمل لساعات طويلة خارج المنزل تبقى في كثير من الأحيان مسؤولة عن التربية، الرعاية وإدارة الشؤون المنزلية، ما يجعلها تواجه ضغطاً مضاعفاً يجمع بين العمل المأجور والعمل غير المأجور".
شريكة في القرار
وفي سياق متصل، يشدد الخبراء على أن "الظروف المعيشية الصعبة لم تكتفِ بتوسيع دور المرأة الاقتصادي، بل ساهمت أيضاً في إعادة توزيع المسؤوليات داخل الأسرة؛ ففي بعض الحالات أصبحت المرأة شريكاً أساسياً في اتخاذ القرارات المالية، وفي حالات أخرى تحولت إلى المعيل الرئيسي للأسرة، وهذا التحول يكشف أن دور المرأة لم يعد محصوراً ضمن الأطر التقليدية، بل أصبح أكثر ارتباطاً بالحاجات الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة".
تحديات اجتماعية وثقافية!
وعلى الرغم من هذا التطور، يعتبر الخبراء الاجتماعيون أنه "ما تزال المرأة اللبنانية تواجه تحديات اجتماعية وثقافية تحدّ من قدرتها على تحقيق مساواة فعلية، فما زالت بعض الأفكار التقليدية تنظر إلى نجاح المرأة المهني على أنه دور ثانوي مقارنة بدورها الأسري، كما أن حضورها في مواقع القرار السياسي والاقتصادي ما يزال أقل من مستوى كفاءتها ومشاركتها الفعلية في المجتمع، لذلك فإن المشكلة لا تكمن فقط في قدرة المرأة على العمل أو الإنتاج، بل في استمرار بعض البنى الاجتماعية التي تقيّد فرصها وتحدّ من استفادتها الكاملة من إمكاناتها".
التعليم رافعة التمكين
في المقابل، يوضح الخبراء الاجتماعيون أن "التعليم يشكّل أحد أهم عوامل القوة التي تمتلكها المرأة اللبنانية في مواجهة هذه التحديات؛ فارتفاع المستوى التعليمي ساعد النساء على اكتساب مهارات مهنية وتقنية عديدة، مما منحهن الكثير من الفرص للتكيف مع الأزمات الاقتصادية والبحث عن بدائل جديدة للعمل، كما أن التعليم لا يقتصر على تحسين الوضع المهني فحسب، بل يعزز الوعي بالحقوق ويزيد من قدرة المرأة على المشاركة في اتخاذ القرارات داخل الأسرة والمجتمع".
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن واقع المرأة اللبنانية اليوم يجمع بين وجهين متناقضين: فمن جهة، ساهمت الأزمات في زيادة حضورها الاقتصادي وإثبات قدرتها على تحمل المسؤولية، ومن جهة أخرى، ما زالت تواجه قيوداً اجتماعية وثقافية تعيق تحقيق المساواة الكاملة.
لذلك، فإن تحسين وضع المرأة لا يتطلب فقط تعزيز فرص العمل والتعليم، بل يحتاج أيضاً إلى تغيير في النظرة الاجتماعية للأدوار الجندرية وإلى سياسات تدعم المشاركة المتكافئة بين النساء والرجال في مختلف المجالات.

