محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
يُدرك معظم المعنيين بالملف اللبناني أن أي إعلان نوايا محتمل بين إيران والولايات المتحدة لن يكون بعيداً عن لبنان، انطلاقاً من التمسك الإيراني بهذا المطلب، ولأن التجارب السابقة أثبتت أن لبنان يبقى أحد أبرز عناوين التفاهمات الإقليمية وأحد أكثر الساحات تأثراً بأي تبدل في ميزان العلاقات بين الطرفين.
ولذلك، فإن النقاش في بيروت اليوم قد لا يكون حول ما إذا كان لبنان سيكون مشمولاً بهذا الإعلان من خلال وقف إطلاق النار، بل حول طبيعة هذا الشمول، وحدوده، والضمانات الفعلية لتنفيذه.
في الأوساط السياسية اللبنانية، ثمة اقتناع بأن أي تفاهم أميركي – إيراني سيتضمن بصورة مباشرة أو غير مباشرة ترتيبات مرتبطة بالجبهة اللبنانية، سواء لجهة تثبيت وقف إطلاق النار، أو فتح الباب أمام مسارات سياسية وأمنية جديدة. غير أن هذا الاقتناع يقابله قلق لا يقل حجماً يتعلق بالسلوك الإسرائيلي، انطلاقاً من سجل طويل من الاتفاقات التي لم تلتزم بها تل أبيب بصورة كاملة، أو لجأت إلى تفسيرها بما يخدم مصالحها الميدانية والسياسية.
هذا القلق يرتبط أولاً بإمكانية رفض إسرائيل لبعض البنود منذ اللحظة الأولى، بل يتجاوز ذلك ثانياً إلى احتمال اعتماد سياسة الالتزام الجزئي، بحيث تمنح الاتفاق فرصة للعبور شكلياً أمام المجتمع الدولي، فيما تحتفظ عملياً بهوامش واسعة للمناورة العسكرية والأمنية، سواء عبر استمرار الخروقات، أو تنفيذ عمليات محددة تحت عناوين أمنية مختلفة، أو محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض مع مرور الوقت.
وتستند هذه المخاوف إلى تجارب لبنانية سابقة، من تفاهم نيسان عام 1996 وصولاً إلى القرار 1701، واتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، حيث كان الجدل دائماً يدور حول آليات التنفيذ والرقابة أكثر مما يدور حول نصوص الاتفاقات نفسها. فالمشكلة بالنسبة إلى كثيرين ليست في البنود، بل في غياب أدوات إلزام حقيقية تمنع إسرائيل من إعادة تفسير الالتزامات وفق قراءتها الخاصة، مستفيدة من الغطاء الأميركي أو من عجز المجتمع الدولي عن فرض تطبيق متوازن لأي تفاهم.
في المقابل، تبدو القوى المعنية في لبنان أكثر حذراً في مقاربة المرحلة المقبلة. فحزب الله، الذي خاض مواجهة طويلة وكلفة مرتفعة، لن يتعامل، بحسب مصادر متابعة، مع أي إعلان نوايا بوصفه نهاية للصراع أو ضمانة مطلقة للاستقرار، بل كمرحلة جديدة يجب أن تخضع للتجربة من أجل البناء عليها. كما أن الدولة اللبنانية تدرك أن نجاح أي تفاهم يبقى مرتبطاً بمدى قدرته على الصمود وتوافر الغطاء الإقليمي والدولي له.
ومن هنا، فإن الأسئلة الحقيقية تبدأ بعد التوقيع لا قبله: هل تلتزم إسرائيل فعلاً بما سيتم الاتفاق عليه؟ وهل تملك واشنطن الإرادة الكافية للضغط على حليفتها في حال وقوع خروقات؟ وهل يستطيع لبنان الانتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة تثبيت الاستقرار من دون مفاجآت أمنية تعيد الأمور إلى نقطة الصفر؟
حتى الآن، لا يملك أحد إجابات حاسمة، تقول المصادر المتابعة، لكن المؤكد أن اللبنانيين ينظرون إلى أي إعلان نوايا مرتقب بمزيج من الأمل والحذر؛ الأمل بأن يشكل مدخلاً لوقف دائم للنار والبدء بالبحث في الترتيبات الأخرى، والحذر لأن التجربة علمتهم أن الاتفاقات في المنطقة تحتاج إلى الخواتيم من أجل معرفة مصيرها.

