د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
في وقت يحبس العالم أنفاسه اليوم بانتظار التوقيع على الاتفاق الإيراني ـــ الأميركي، وبالرغم من موجة التفاؤل التي عمّت العديد من الدول الكبرى، خصوصًا سكان منطقة الشرق الأوسط وتحديدًا جنوب لبنان، فور تحديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الموعد اليوم الأحد، إلا أن القراءة الدقيقة والمعمّقة لبنوده المنشورة، إضافة إلى التصريحات المتناقضة الصادرة عن كل من طهران وواشنطن، تُظهر بوضوح لا لبس فيه أن هناك ملفات عديدة لم تُحسم بعد، وتم ترحيلها إلى الأسابيع والشهور المقبلة.
الصيغة الرسمية الإيرانية للاتفاق
تشير التصريحات الإيرانية حول مضمون مذكرة التفاهم الأميركية ــ الإيرانية، إلى أن بعض نقاطها تتناقض مع المواقف الأميركية المعلنة. ولهذه الغاية، أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال مقابلة مع وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية الجمعة 12 حزيران الجاري، أن "المذكرة لا تزال قابلة للتعديل حتى لحظة توقيعها النهائي".
وكشف عراقجي أن الاتفاق يتألف من مرحلتين:
الأولى: تشمل إنهاء الحرب على جميع الجبهات (خصوصًا لبنان، حيث أبلغ الثنائي الشيعي، كما تتحدث المعلومات)، واستئناف حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتقديم حوافز ومكاسب اقتصادية لإيران، من بينها أموال إعادة الإعمار، وتخفيف العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإنهاء الحصار الأميركي.
والثانية: تتناول الملف النووي، فضلًا عن "قضية أو قضيتين أخريين" لم يُجرِ الكشف عنهما.
وفي ما يتعلق بممر هرمز المائي، أكد عراقجي أن المضيق يقع ضمن السيادة الإيرانية والعُمانية، وأن البلدين سيقومان بتحصيل رسوم بعد دخول مذكرة التفاهم حيّز التنفيذ، كما ستتولى إيران إدارة المضيق. وإذ رفض عراقجي وصف هذه الرسوم بأنها "رسوم عبور" (Tolls)، فإنه دافع عن فرض ما سماه "رسوم خدمات" على السفن العابرة للمضيق. وأضاف أن إيران ستضمن المرور الآمن للسفن المدنية، لكنها ستعتمد ترتيبات مختلفة للسفن العسكرية.
والأكثر أهمية أن بندَي الإدارة الإيرانية لهرمز وإنهاء الحرب في لبنان بشكل كامل، أُدرجا ضمن الخطوط الحمراء الأساسية لطهران وفقًا لمذكرة التفاهم المحتملة التي عرضها عراقجي.
الرواية الأميركية للاتفاق
في الواقع، يبدو أن نقاط التسوية التي أعلنت عنها واشنطن لا تتوافق مع التفسير الإيراني لأكثر من بند في الاتفاق. فعلى ذمة كل من وكالة "رويترز" وتقارير صحيفة الواشنطن بوست ومنصة أكسيوس، إلى جانب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تصف إدارة الأخير مذكرة التفاهم المرتقبة بأنها ترتيبات أولية لوقف الحرب واحتواء تداعياتها، ولا تعتبرها اتفاقًا نهائيًا يعالج مجمل الخلافات الأميركية ـــ الإيرانية.
وتبعًا لذلك، تُظهر الرواية الأميركية للاتفاق أن واشنطن تنظر إلى فتح مضيق هرمز باعتباره الإنجاز الفوري والأولوية المطلقة، وفقا لمسؤول أميركي اكد لـ"رويترز": "إن إيران ستفتح المضيق، وهذا شرط أساسي"، مضيفًا أن الخطوة التالية ستشمل إزالة الألغام وتأمين الملاحة الدولية بمشاركة محتملة من دول مجموعة السبع.
أكثر من ذلك، تنفي واشنطن بعض البنود التي تتداولها وسائل إعلام إيرانية، ولا سيما ما يتعلق بتعويضات الحرب أو إسقاط المطالب الأميركية المرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني، ما يعكس استمرار وجود تباينات كبيرة بين الروايتين الأميركية والإيرانية حول مضمون الاتفاق الحقيقي.
نقاط التباين بين إيران وأميركا
في الحقيقة، يبدو أن مذكرة التفاهم ليست سوى بوابة سياسية وأمنية لوقف الحرب تمهيدًا لانتقال المواجهة إلى ميدان التفاوض، حيث ستُحسم لاحقًا، القضايا الأكثر حساسية وتأثيرًا في مستقبل العلاقة بين البلدين، مثل السيادة على مضيق هرمز، والأرصدة المالية الإيرانية المجمدة امريكيا، والملف النووي.
لنبدأ بهرمز. إذ يتعارض النظام الإداري للمضيق الذي تحدث عنه عراقجي أعلاه مع كل من السياسة الأميركية والسوابق القانونية البحرية الراسخة منذ زمن طويل.إضافة إلى ذلك، فإن قضية موعد تمكّن إيران من الوصول إلى أموالها المجمدة وحجم المبالغ التي ستحصل عليها، بقيت موضع خلاف في المفاوضات.
وفي حين أفادت وسائل إعلام إيرانية في 13 حزيران الجاري، بأن إيران اقترحت الإفراج المبكر عن نصف أصولها المجمدة، على أن يُفرج عن النصف الآخر ضمن الاتفاق النهائي، لم توافق الولايات المتحدة على هذا العرض، استنادًا لتصريح ترامب الذي قال في اليوم ذاته: "لن تنتقل أي أموال بين الطرفين".
ضع في اعتبارك أن سبب هذا الموقف الأميركي المعارض هو الخشية من فقدان أهم أوراق الضغط قبل بدء المفاوضات النووية. بمعنى آخر، تريد إيران المال أولًا ثم التفاوض، بينما تريد واشنطن التفاوض أولًا ثم الإفراج التدريجي عن الأموال هذا من جهة.
ومن جهة اخرى، فإن النهج الأميركي المتبع في المفاوضات يقوم على أن تحصل إيران على المنافع الاقتصادية تدريجيًا مقابل تنفيذ التزامات محددة يمكن التحقق منها.
وبناءً على ذلك، اقترحت قطر، بحسب وسائل إعلام عالمية، حزمة بقيمة 12 مليار دولار، تشمل 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية الموجودة في قطر لاستخدامها في الأغراض الإنسانية، بالإضافة إلى خط ائتماني منفصل بقيمة 6 مليارات دولار تتولى إيران توجيه إنفاقه.
وبالانتقال الى الملف النووي، وبينما نجد أن ترامب يُصرّ على أن الاتفاق سيسمح أيضًا للولايات المتحدة إما بـ"الدخول والحصول على" مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب (HEU) لخفض مستوى تخصيبه، أو تدمير هذه المواد داخل إيران أو في الولايات المتحدة، تشير التقارير المتعلقة بالإجراءات التي تتخذها طهران لحماية مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب (HEU) إلى أن النظام الإيراني يسعى إلى الحفاظ على أوراق قوته التفاوضية قبل أي مفاوضات نووية محتملة في المرحلة الثانية. ولهذا قال عراقجي إن بعض المطالب الأميركية المتعلقة بالملف النووي "غير مقبولة".
وماذا عن لبنان؟
يجمع الطرفان الإيراني والأميركي على أن لبنان موجود في الاتفاق، الذي يتمثل أحد أهدافه في احتواء الحرب في لبنان ومنع توسعها، وهو ما أفصح عنه مسؤول أميركي لصحيفة تايمز أوف إسرائيل بقوله أمس السبت: "اتفاق السلام الإقليمي الشامل واسع النطاق، فهو يشمل لبنان وإيران ودول الخليج وإسرائيل". وإذ أعرب المسؤول الأميركي عن "ثقته التامة بأن جميع حلفائنا - الإسرائيليين ودول الخليج - سيوافقون عليه"، أشار إلى أن ذلك لا يعني تخلي إسرائيل عن حقها في الدفاع عن نفسها".
بموازاة ذلك، تشدد الجمهورية الإسلامية، على أن لبنان يجب أن يكون مشمولًا بوقف الحرب، وذلك بشهادة صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية التي أكدت، نقلًا عن مصادر غربية، أن "إيران متمسكة بموقفها القائل إن أي اتفاق يجب أن ينهي القتال في لبنان".
وعلى النقيض من ذلك، ترفض تل أبيب أن يقيّد الاتفاق عملياتها العدوانية في لبنان، وتستبعد بالتالي، الانسحاب التلقائي من المناطق التي تسيطر عليها في الجنوب. لذلك، جاءت الغارات الإسرائيلية اليوم على منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية كرسالة علنية لإجهاض التسوية. وهنا تكمن المشكلة التي قد تؤدي إلى نسف الاتفاق إذا واصلت إسرائيل عدوانها على الجنوب.
في المحصّلة:
يمكن القول إن لبنان هو أول اختبار حقيقي للاتفاق: فإذا توقفت الجبهة اللبنانية، بدا الاتفاق قابلًا للحياة. وفي حال واصلت إسرائيل تدميرها للحجر وقتلها للبشر، فقد يتحول لبنان إلى الثغرة التي تُفجّر مذكرة التفاهم من داخلها، خصوصًا وأن طهران لن تسير بأي باتفاق بمعزل عن لبنان.

