بولين وهبة - خاص الأفضل نيوز
لا شيء يعلو اليوم في لبنان على أحاديث المونديال وعلى السؤال المفتاح لأي "جَمعة"، وهو: "مع مين إنت بالمونديال؟"
أما تتمة الحديث فمعروفة، تبدأ بتجديد الوفاء لهذا المنتخب أو ذاك، ولا تنتهي إلا بالرهان على فوزه بكأس العالم.
لطالما كان اللبنانيون كذلك، يدعمون، يسيرون في مواكب صاخبة، يطلقون العنان للأبواق والهتافات، يتحزّبون، ويجادلون "حتى العراك"، وما يسري في السياسة من إشكالات يسري في الرياضة، والأمثلة عديدة وآنية، ويكفي ما سُجّل حتى اليوم في المقاهي من تضارب بالأيدي وبالكراسي في أكثر من منطقة لبنانية، والمفارقة أن المونديال لا يزال في بدايته، فماذا لو التقى منتخبا البرازيل وألمانيا، اللذان يستقطبان أعلى نسبة من المشجعين في لبنان، في نهائيات كأس العالم؟ هل يصل بسببهما "الدم للركب"؟ من يدري؟ طالما "بهالبلد كل شي بصير".
وهذا التطرّف في التشجيع إلى حدّ العنف له تفسيره في علم الاجتماع كما في علم النفس، وفي هذا الإطار قالت د. سوزان منعم، وهي أستاذة محاضرة وباحثة في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، في حديث إلى "الأفضل نيوز"، إن "هذه الإشكالات والتوترات لها علاقة بمفهوم الانتماء الأوّلي، بمعنى أن هؤلاء الأفراد ينتمون إلى أسرة وجماعة وحيّ، وهم متأثرون ببيئتهم ويعبّرون عن هويتهم وقناعاتهم السياسية والدينية، وحتى في الرياضة وفي كل تفصيل من حياتهم اليومية، يُدخلون هذه السلوكيات المتطرفة ويدافعون عما يريدون الدفاع عنه بطريقتهم المعتادة، وبالتالي يجدون أنفسهم في لاوعيهم يدافعون بوسائل عنفية".
وتضيف د. منعم: "بدلًا من أن يكون الأمر مجرد تشجيع رياضي واختلاف في الرأي، يتحوّل إلى عدم تقبّل للآخر وإلى حالة من العنف، وصحيح أنها مناسبة للفرد لتشجيع فريقه المفضل في كرة القدم، إلا أن هذا الفرد، وفي لحظة معينة، يعود إلى المبالغة والتطرف، وإلى الامتثال الاجتماعي والتأثر بقياداته المحلية أو الدينية".
ومن مقاربة علم الاجتماع إلى مقاربة علم النفس، حيث اعتبرت المتخصصة بالصحة النفسية والتدخل الفردي والثنائي والعائلي والمساعدة الاجتماعية لين سماحة، في حديث إلى "الأفضل نيوز"، أن "ثمة إشكالية اجتماعية في لبنان لها تجليات عدة، من ضمنها ما نشهده في الرياضة، لكن في الأساس والجوهر هي مشكلة هوية وتبعية عند البعض، بمعنى أن هوية اللبناني ليست مرتبطة بذاته، وإنما بالآخر، وبالتالي ما من رأي خاص عائد إلى قناعات شخصية وثقة بالنفس، وإنما هناك انتماء وتبعية يقودان إلى سلوك متطرف سواء في السياسة أو في الرياضة أو في أي مجال آخر".
في الخلاصة، يتفق الأخصائيون في علمَي الاجتماع والنفس على أن المونديال هو أكثر من مجرد حدث رياضي، إذ إنه ظاهرة اجتماعية تكشف حاجة الأفراد والجماعات إلى التعبير عن الاحتفال الجماعي، أما في لبنان فحبّذا لو يكون فحسب مساحة فرح يفتقدها اليوم أهل البلد، ومتنفسًا للضغوط لا امتدادًا لدوامة التوتر والتشنج التي تحاصر اللبنانيين من كل ضفة.

