طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
يشكّل الإعلان عن مذكرة التفاهم الموقعة رقمياً بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثاً مفصلياً في تاريخ النزاع الإقليمي في الشرق الأوسط، ليس فقط لأنها توقف الحرب الدائرة على مختلف الجبهات، بل لأنها للمرة الأولى تربط مباشرة بين ملفات كانت تُدار سابقاً بنحو منفصل، من البرنامج النووي الإيراني إلى العقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية على لبنان وأمن الخليج والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
إن قراءة متأنية لبنود المذكرة تكشف أن ما جرى ليس مجرد اتفاق على وقف إطلاق النار، بل إطار سياسي وأمني واقتصادي شامل يرسم ملامح نظام إقليمي جديد، أو على الأقل يضع الأسس الأولية له، في انتظار ما ستفضي إليه المفاوضات النهائية خلال مهلة الستين يوماً المحددة في المذكرة، للتوصل إلى اتفاق نهائي.
وأبرز ما يلفت الانتباه في نص المذكرة هو أن لبنان ورد بصورة صريحة 3 مرات في البند الأول الذي نص على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، مع التعهد بضمان سلامة أراضيه وسيادته، وتكتسب هذه النقطة أهمية استثنائية لأنها تعني أن الساحة اللبنانية لم تعد مجرد ساحة متأثرة بالتفاهم الأميركي ـ الإيراني، بل أصبحت جزءاً من التفاهم نفسه، وهو ما ينسجم مع ما أعلنه وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي حين أكد أن "نهاية الحرب في لبنان موضوع ملزم لنهاية الحرب مع إيران"، وأن "الطرف الأول في مذكرة التفاهم هو الولايات المتحدة وإسرائيل، والطرف الثاني هو إيران وحزب الله"، مضيفاً "أن أي هجوم إسرائيلي على لبنان أو استمرار احتلال أراضٍ لبنانية سيُعد خرقاً مباشراً للاتفاق".
في المقابل، تبدو القراءة الأميركية أكثر حذراً، إذ حرص مسؤولون في الإدارة الأميركية على التأكيد أن الاتفاق لا يتضمن التزاماً إسرائيلياً بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وأن حق إسرائيل في الرد يبقى قائماً إذا تعرضت لهجمات جديدة،
وهنا يظهر أول تناقض محتمل قد يواجه تنفيذ المذكرة خلال المرحلة المقبلة.
وعلى خلاف الاتفاق النووي لعام 2015، لا تقتصر مذكرة إسلام آباد على الجانب النووي فحسب؛ فالمذكرة تتضمن وقفاً شاملاً للحرب ورفعاً تدريجياً للعقوبات الأميركية والدولية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإعادة تصدير النفط الإيراني بحرية، وبرنامجاً اقتصادياً لإعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وترتيبات تتعلق بالملاحة في الخليج ومضيق هرمز وآلية رقابة وتنفيذ دولية، وقراراً ملزماً من مجلس الأمن لتثبيت الاتفاق النهائي، وهذا يعني أن الطرفين لا يتفاوضان على ملف نووي فحسب، بل على إعادة صوغ العلاقة بينهما بعد أكثر من أربعة عقود من العداء والصدام.
ومن الواضح أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
الهدف الأول يتمثل في إنهاء التهديد النووي الإيراني بصورة نهائية أو على الأقل وضعه تحت رقابة صارمة ودائمة.
أما الهدف الثاني فيكمن في منع اندلاع حروب جديدة في المنطقة تستنزف المصالح الأميركية وتؤثر على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، في حين يتمثل الهدف الثالث في إعادة دمج إيران تدريجيًّا في النظام الإقليمي والدولي، ولكن بشروط أميركية تضمن الحد من دورها العسكري والأمني خارج حدودها، ومن هذا المنطلق يمكن فهم إصرار واشنطن على الربط بين الملف النووي والملفات الإقليمية في إطار تفاوضي واحد.
وفي المقابل تبدو المكاسب الإيرانية كبيرة للغاية إذا تم تنفيذ الاتفاق؛ فإيران ستحصل على رفع العقوبات، واستعادة الأموال المجمدة، وعودة صادرات النفط إلى الأسواق العالمية، وبرنامج اقتصادي ضخم لإعادة الإعمار والتنمية، واعتراف دولي بدورها الإقليمي، وضمانات أميركية بعدم استهدافها عسكرياً، لكن الثمن المطلوب من طهران يتمثل في ضبط برنامجها النووي، والدخول في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة قد تفرض عليها إعادة تعريف دور حلفائها وشبكة نفوذها في المنطقة.
على أن هذا الاتفاق تتجاذبه ثلاثة سيناريوهات محتملة :
ـ السيناريو الأول: نجاح الاتفاق وتحوله إلى تسوية تاريخية وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً، وفي هذه الحالة تنجح المفاوضات خلال مهلة الستين يوماً في إنتاج اتفاق نهائي برعاية مجلس الأمن وينعكس ذلك مباشرة على لبنان من خلال: ثبيت وقف الحرب بصورة دائمة وتراجع احتمالات المواجهة العسكرية وإطلاق مسار الانسحاب الإسرائيلي، وتسريع عملية إعادة الإعمار وفتح الباب أمام تفاهمات أمنية وسياسية طويلة الأمد على الحدود الجنوبية، كما يؤدي الاتفاق إلى مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
ـ السيناريو الثاني: نجاح جزئي وتعثر في الملفات الإقليمية، وفي هذا السيناريو ينجح الطرفان في التوصل إلى تفاهمات حول الملف النووي والعقوبات، لكن الخلافات تبقى قائمة حول الملفات الإقليمية، ولا سيما منها ملفي لبنان وإسرائيل، وهنا قد يتحول الاتفاق إلى هدنة طويلة الأمد من دون الوصول إلى تسوية شاملة، ما يعني استمرار التوترات السياسية والأمنية بدرجات متفاوتة، ويبدو أن هذا السيناريو من أكثر السيناريوهات واقعية في ضوء التباين الحالي بين الموقفين الإيراني والإسرائيلي حول مستقبل الجنوب اللبناني.
ـ السيناريو الثالث، وهو الأسوأ، فيتمثل في فشل المفاوضات خلال المهلة المحددة بسبب الخلافات حول العقوبات أو البرنامج النووي أو الملفات الإقليمية، وفي هذه الحالة قد تعود المنطقة إلى مرحلة المواجهة، لكن ضمن ظروف أكثر تعقيداً وخطورة من السابق، لأن جميع الأطراف ستكون قد اختبرت حدود القوة وحدود التسوية في آن واحد.
في أي حال فإن هذه المذكرة الأميركية ـ الإيرانية تكشف أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة انتقالية كبرى قد تؤسس لنظام إقليمي جديد أو تتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة أخرى من النزاع، غير أن العنصر الأكثر أهمية بالنسبة إلى لبنان يتمثل في أن الحرب على الجبهة الجنوبية لم تعد ملفاً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً من معادلة دولية وإقليمية أوسع ترتبط مباشرة بمستقبل العلاقات الأميركية ـ الإيرانية.
ومن هنا فإن نجاح هذا المسار أو فشله لن يحدد فقط مستقبل البرنامج النووي الإيراني أو العقوبات الاقتصادية، بل سيحدد أيضاً مستقبل الجنوب اللبناني، وطبيعة العلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية، وشكل التوازنات السياسية والأمنية التي سترسم ملامح المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

