نبيه البرجي - خاصّ الأفضل نيوز
نتوقف عند كلام المفكر الأميركي -اليهودي نورمان فلنكشتاين "مثلما قال الأميركيون أن بنيامين نتنياهو خدعنا حين طرح أمام دونالد ترامب ذلك السيناريو الكارثي حول تقويض نظام آيات الله في إيران بالضربة القاضية , من خلال الغارات الصاعقة على القيادات الدينية والسياسية والعسكرية , وتمدد الانفجارات الداخلية إلى دارة آية الله خامنئي , الإسرائيليون يقولون الآن إن دونالد ترامب خدعنا حين أكد لنا أنه لن يوقّع أي اتفاق مع إيران إلا بإعطاء الأولوية المطلقة للمصالح الإسرائيلية" .
غضب في الدولة العبرية "الرجل الذي يبيع حتى عظام الملائكة يبيع عظامنا" . هالهم أن يدافع عن امتلاك إيران الصواريخ الباليستية ، "غداً يدافع عن امتلاك إيران القنبلة النووية " . النائب في حزب ايتامار بن غفير "القوة اليهودية" تسفيكا فوغل (رئيسة لجنة الأمن القومي) لا تتورع عن وصفه بـ"قاتل إسرائيل" . في رأيها "أن من يقرأ بدقة مذكرة التفاهم لا بد أن يستشعر بأن هذه المذكرة بمثابة خارطة طريق لشراكة أميركية - إيرانية إن على المستوى الجيوسياسي أو على المستوى الجيوستراتيجي" .
تعليقات عاصفة تتلاحق . يرون أن كل ماحققناه ميدانياً على امتداد السنوات الثلاث المنصرمة كان لمصلحة الولايات المتحدة . وكان قد سبق للجنرال اسحق بريك أن قال "كل ما يفعله الائتلاف أنه يفرش الطريق بالجثث أمام دونالد ترامب للسيطرة الأميركية الكاملة على الشرق الأوسط، لكنه لن يكون قطعاً المسيح الذي ننتظره لخلاصنا الأبدي" . كما أن المفكر اليهودي البروفسور يشيعياهو ليبوفيتش لاحظ قبل رحيله عام 1994 "خطورة الذوبان داخل الحالة الأميركية , وحيث مصالح الإمبراطور أهم من مصالح الله في المسار الايديولوجي للولايات المتحدة" !
وسائل الإعلام الإسرائيلية تتحدث عن حالة الضياع التي يواجهها أركان الائتلاف . استشعروا "أننا نقترب أكثر فأكثر من حافة الهاوية عقب استبعادنا على ذلك النحو الفظ عن المفاوضات بين واشنطن وطهران" . صحيفة "معاريف" نقلت عن مصادر تقديراتها "أن الضغوط الأميركية على تل أبيب للانسحاب من جنوب لبنان , ومن الجزء السوري من جبل الشيخ ستزداد خلال الفترة المقبلة" . المحلل العسكري في صحيفة "هاآرتس" عاموس هرئيل يدعو نتنياهو إلى الاستقالة الفورية بعد سقوط كل شعاراته الفضفاضة . من "تغيير الشرق الأوسط" إلى "إقامة إسرائيل الكبرى" , كي لا يسقط رأسه عند قدمي دونالد ترامب , وربما عند قدمي من هم أقل شأناً ...
رهان كبير لدى السلطات العليا اللبنانية على نتائج جلسة المفاوضات مع إسرائيل يوم الاثنين المقبل بعد تلك التغيرات الدراماتيكية التي حدثت في المشهد الشرق أوسطي . هنا تركيز بعض الشخصيات السياسية البعيدة عن ثقافة التأجيج السياسي والتأجيج الطائفي على وصل ما انقطع بين القوى الفاعلة في الخارطة السياسية الداخلية . هذه المسألة التي يفترض أن تشكل نقطة التقاطع بين هذه القوى حين تكون المنطقة أمام تحولات بنيوية كبرى لا بد أن تكون لها انعكاساتها على الساحة اللبنانية , على أن تكون هذه نقطة الانطلاق لصياغة رؤية استراتيجية لإعادة بناء الدولة (اللاطوائفية) على قواعد أكثر تفاعلاً مع ديناميات القرن . على الأقل بالمقاربة الجدية للمادة 95 من دستور الطائف التي تضع الآليات الخاصة بإلغاء الطائفية السياسية .
نستعيد قول القديس السويسري نيكولا دو فلو (القرن الخامس عشر) إلى بني قومه: "تريدون أن تبقوا سويسريين , إبدأوا بإقامة الأسوار حول حدائقكم" , ما يعني إقامة الأسوار حول بلادهم . عندنا بنيت الدولة على تلك المقولة العجيبة والهجينة التي لا نظير لها في تاريخ الأمم "قوة لبنان في ضعفه" . هي المقولة التي أطلقها الشيخ بيار الجميّل خشية إنشاء جيش قوي تكون أكثرية قاعدته البشرية من ديانة معينة (من عكار والجنوب والبقاع) .
ما يستشف من أجواء "حزب الله" الاتجاه إلى مد اليد نحو جميع القوى الأخرى , انطلاقاً من التكافل بين كل القوى هو الأساس في مواجهة أي يخطر يمكن أن يهدد الأمن الاستراتيجي , وحتى الأمن الوجودي , للبلاد . وهذا ما تناهى إلينا من مصادر ديبلوماسية خليجية من أن إيران تريد الخروج من الخط الايديولوجي في النظرة إلى العلاقات مع الدول العربية إلى الخط البراغماتي يتيح إرساء حالة من الاستقرار السياسي والاقتصادي وحتى الإنساني , بعدما ثبتت عبثية الصراعات التي استنزفت إمكانات المنطقة على امتداد نحو نصف قرن . هذه الصراعات التي لا تفضي سوى إلى الجحيم ...
لكي ندرك أكثر أبعاد المرحلة المقبلة , نستعرض ما يقال , وما يكتب , في الولايات المتحدة . جيمس وولسي , المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية , قال "كما لو أننا في بداية الخليقة أو في نهايتها" , في إشارة واضحة إلى سقوط القطب الواحد على عتبة الشرق الأوسط , فيما يقول بول موسغريف , أستاذ العلوم السياسية في جامعة حورجتاون (قطر) , "إن قرار الحرب الذي اتخذه دونالد ترامب نفسه انتهى بكارثة سياسية وعسكرية لا بد أن تترك آثاراً طويلة الأمد داخل الولايات المتحدة وخارجها" , معتبراً "أن تداعيات هذه الحرب تعدت إيران إلى النظام العالمي بأسره" .
المؤرخ الإسرائيلي شلومو بن عامي الذي عاش تجارب الدولة العبرية على أشكالها استعاد قول سارة , زوجة بنيامين نتنياهو, حينما حوصر قضائيا "لسوف نحزم حقائبنا ونرحل , ولتحترق إسرائيل" , ليسأل "من تراه جعل إسرائيل محرقة اليهود ؟!" .

