راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
لم يكن مقطع الفيديو الذي تكلمت فيه إحدى الناشطات عن منع إحدى صديقات العائلة، وهي امرأة محجبة، من دخول أحد المسابح الخاصة في لبنان، مجرد حادثة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي. فخلال ساعات قليلة، انتشر الفيديو على نطاق واسع وأثار موجة من الاستنكار والغضب، معتبراً لدى كثيرين نموذجاً جديداً لسياسات تمييزية تتكرر كل صيف بحق النساء المحجبات في عدد من الشواطئ والمنتجعات اللبنانية.
الفيديو المتداول أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً يتجدد مع بداية كل موسم صيف حول حدود الحريات الشخصية، وحق المواطنين في الوصول إلى الشواطئ والمرافق السياحية بعيداً عن أي تمييز على أساس المظهر أو الانتماء الديني.
وفي بلد يقوم على التنوع الديني والثقافي، يرى كثيرون أن مثل هذه الحوادث تتناقض مع المبادئ التي يفترض أن تحكم الحياة العامة، فيما يعتبر آخرون أن بعض المؤسسات الخاصة ما زالت تعتمد معايير غير معلنة تؤدي عملياً إلى استبعاد فئات معينة من المجتمع، سواء بسبب الحجاب أو الخلفية الاجتماعية أو حتى الجنسية في بعض الحالات.
بين الشاطئ العام والمسبح الخاص... أين تبدأ الحقوق وأين تنتهي؟
رئيس المجلس اللبناني لحقوق الإنسان وديع الأسمر يوضح، في حديث لـ"الأفضل نيوز"، أن النقاش الدائر غالباً ما يخلط بين مفاهيم مختلفة، مشدداً على ضرورة التمييز بين الشاطئ العام والمسابح أو المنتجعات الخاصة.
ويقول الأسمر إن الشاطئ العام هو ملك عام يحق لأي مواطن الوصول إليه واستخدامه، ولا يجوز لأي جهة أن تمنع شخصاً من ارتياده أو تفرض عليه قيوداً تمييزية. ويضيف أن المشكلة لا تقتصر على حادثة منع محجبة من الدخول، بل ترتبط بمفهوم أوسع يتعلق بحق المواطنين في الوصول إلى البحر باعتباره ملكاً عاماً لا يمكن احتكاره أو التعامل معه كملكية خاصة.
ويشير إلى أن فرض رسوم على الخدمات المحيطة بالشاطئ قد يكون أمراً مختلفاً، إلا أن ذلك لا يعني حرمان المواطنين من حقهم الأساسي في الوصول إلى البحر والاستفادة منه.
أما في ما يتعلق بالمسابح والمنتجعات الخاصة، فيوضح الأسمر أن لهذه المؤسسات الحق في وضع شروط تنظيمية مرتبطة بالسلامة أو بطبيعة استخدام المرافق، كفرض لباس مخصص للسباحة داخل أحواض السباحة، إلا أن هذه الشروط يجب أن تُطبَّق على الجميع من دون استثناء أو انتقائية.
ويشدد على أن "التمييز يبدأ عندما تُبنى القرارات على أساس الدين أو المظهر أو لون البشرة أو الخلفية الاجتماعية، لا على أساس قواعد عامة تُطبَّق بالتساوي على جميع الزوار".
الحجاب ليس مخالفة... والتمييز انتهاك للحقوق
بحسب الأسمر، لا يمكن لأي مؤسسة أن تمنع شخصاً من الدخول بسبب ارتدائه زياً دينياً أو بسبب مظهره الخارجي، معتبراً أن مثل هذه الممارسات تشكل انتهاكاً واضحاً لمبادئ حقوق الإنسان.
ويؤكد أن منع امرأة محجبة من دخول مسبح أو منتجع فقط بسبب حجابها يندرج ضمن القرارات التمييزية المرفوضة قانونياً وحقوقياً، تماماً كما لا يمكن منع شخص بسبب لون بشرته أو جنسيته أو خلفيته الاجتماعية.
ويلفت إلى أن بعض المؤسسات تحاول تبرير هذه الإجراءات تحت عناوين مختلفة، إلا أن المعيار الأساسي يبقى في طبيعة القرار نفسه وما إذا كان يستهدف فئة محددة دون غيرها.
وفي هذا السياق، يعتبر الأسمر أن الجدل الذي يرافق ارتداء "البوركيني" في بعض المنتجعات اللبنانية لا يستند إلى أي مبررات موضوعية، خصوصاً أنه لباس سباحة مخصص لهذه الغاية، شأنه شأن أي لباس سباحة آخر، وبالتالي فإن رفضه لمجرد ارتباطه بخيار ديني أو ثقافي يندرج ضمن خانة التمييز.
ويكشف أن الضغوط الحقوقية والاجتماعية التي مورست خلال السنوات الماضية نجحت في دفع عدد من المؤسسات إلى تعديل سياساتها تجاه بعض الفئات التي كانت تتعرض لممارسات تمييزية، ما يؤكد أهمية المساءلة المجتمعية في مواجهة هذه الظواهر.
ومع كل صيف جديد، يبدو أن الجدل نفسه يعود بأشكال مختلفة. لكن حادثة الفتاة المحجبة الأخيرة أعادت التذكير بأن النقاش لم يعد مرتبطاً بلباس السباحة أو بقواعد المنتجعات فحسب، بل بسؤال أكثر عمقاً يتعلق بقدرة اللبنانيين على ممارسة حقوقهم وحرياتهم من دون أن تتحول هوياتهم أو خياراتهم الشخصية إلى سبب للإقصاء أو التمييز.

