محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
لم يشبه يوم الجمعة الماضي في مسار الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية ما سبقه من أيام تلت الإعلان عن الاتفاق الأميركي الإيراني، بل شكّل بما شهده محطة كشفت حجم التناقض بين المسار السياسي الذي كان يتجه نحو تثبيت وقف لإطلاق النار، وبين المسار الميداني الذي اختارت إسرائيل دفعه نحو مزيد من التصعيد.
فمنذ ساعات الصباح الأولى وما سبقها من ساعات الليل والفجر، كثّفت إسرائيل هجماتها على الجنوب والبقاع، وارتكبت مجازر رداً على خسائرها الكبيرة التي تكبدتها خلال محاولاتها الدخول إلى تلة علي الطاهر. بعدها بساعات، سادت أجواء توحي بأن التفاهمات التي نُسجت خلال الأيام السابقة باتت قاب قوسين أو أدنى من التحول إلى اتفاق نافذ.
بحسب مصادر سياسية لبنانية مطلعة، فإن الاتصالات التي شاركت فيها واشنطن والدوحة وطهران، إلى جانب قنوات التواصل اللبنانية، كانت قد قطعت شوطاً متقدماً في صياغة آلية توقف العمليات العسكرية بشكل متزامن، بما يسمح بفتح الباب أمام المرحلة التالية من التفاهمات الإقليمية الأوسع.
لكن ما جرى على الأرض، بحسب المصادر، كشف أن القرار الإسرائيلي لم يكن متماهياً بالكامل مع هذه الأجواء. فكلما اقترب موعد تثبيت وقف النار، ارتفع منسوب الغارات الجوية واتسعت دائرة الاستهدافات، في مشهد عكس محاولة واضحة لتعديل الوقائع الميدانية قبل لحظة التجميد العسكري.
ترى المصادر، عبر "الأفضل"، أن بنيامين نتنياهو وجد نفسه أمام معادلة معقدة مجدداً. فمن جهة، هناك ضغوط أميركية وإقليمية متزايدة للدخول في مرحلة تهدئة، ومن جهة ثانية يدرك أن أي وقف للعمليات قبل تحقيق إنجاز ميداني ملموس سيُقدَّم داخل إسرائيل على أنه فشل جديد يضاف إلى سلسلة الإخفاقات التي واجهتها المؤسسة العسكرية خلال الأشهر الماضية. لذلك، كان التصعيد العسكري في إطار محاولة لرفع سقف الإنجازات قبل تثبيت أي تفاهم، وبنفس الوقت محاولة إفشال لمسار الاتفاق الأميركي الإيراني.
برزت في هذا السياق تلة علي الطاهر باعتبارها واحدة من النقاط التي تحظى بأهمية عسكرية ورمزية، نظراً لإشرافها على مساحة واسعة من المنطقة الحدودية ولكونها باتت عنواناً للمعركة. ولهذا السبب، بقيت التقديرات تشير إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كانت تسعى إلى إعادة تهيئة الظروف لمحاولة جديدة باتجاه التلة، بعدما اصطدمت محاولات سابقة بعوائق ميدانية حالت دون تحقيق الهدف المرسوم.
من هنا يمكن فهم كثافة الغارات التي استمرت حتى بعد تداول معلومات عن قرب دخول وقف النار حيز التنفيذ.
فإسرائيل كانت تحاول استثمار الساعات الأخيرة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الضغط العسكري، سواء لتحسين شروطها السياسية أو لخلق واقع ميداني جديد قبل تجميد الجبهة.
إلا أن المشكلة الأساسية التي واجهت هذا المسار تمثلت في أن التفاهم السياسي لم يُترجم إلى قرار تنفيذي ملزم. فخلافاً لما كان متوقعاً، لم يدخل الاتفاق بوقف النار الساعة الرابعة من عصر الجمعة حيز التنفيذ في التوقيت الذي جرى تداوله، والذي جاء نتيجة اتصالات شملت أميركا وإيران وقطر والثنائي الشيعي في لبنان، حيث كانت تصريحات الرئيس الأميركي ونائبه حول ضرورة وقف النار في لبنان مقدمة لتصريح رئيس المجلس النيابي نبيه بري عن التزام الحزب بعد التزام إسرائيل، وكانت هذه التصريحات جزءاً من المسار المتفق عليه للوصول إلى إعلان الاتفاق الساعة الرابعة عصراً، إلا أن العمليات العسكرية بقيت مستمرة، ما أعاد طرح أسئلة جدية حول مدى قدرة الولايات المتحدة على فرض التزاماتها على الحكومة الإسرائيلية.
وهنا تبرز العقدة الأساسية، تقول المصادر، مشيرة إلى أن المسألة لم تعد مرتبطة بوجود تفاهم من عدمه، بل بقدرة الأطراف الراعية على ضمان تنفيذه. إذ إن نتنياهو أثبت مجدداً أنه يمتلك هامشاً واسعاً للمناورة والتعطيل، مستفيداً من حاجته الداخلية إلى استمرار الحرب ومن رغبته في تجنب أي صورة قد تُظهره وكأنه خضع للضغوط الخارجية.
لذلك، فإن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه النهائي للأحداث. فإذا نجحت الضغوط الأميركية في فرض وقف فعلي للنار، تكون المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة من الصراع. أما إذا استمرت الغارات ومحاولات التقدم الميداني، وخصوصاً في محيط علي الطاهر، وهو ما يظهر أن الإسرائيلي يحضّر له من خلال غاراته اليوم، فإن ذلك سيعني أن إسرائيل لا تزال تراهن على تغيير الوقائع بالقوة قبل القبول بأي تسوية، ما سيبقي احتمالات التصعيد قائمة رغم كل المساعي السياسية الجارية.

