نبيه البرجي - خاصّ الأفضل نيوز
في صيف 1982 تحدثت الصحافية الإيطالية أوريانا فالاتشي إلى الكونوليل الإسرائيلي إيليا برنياع , وهو من عائلة عسكرية شهيرة , والذي امتنع عن الدخول إلى بيروت , بعدما وصل على رأس رتل من الدبابات إلى مثلث خلدة , لأنه رأى بمنظاره أطفالاً يلعبون عند المدخل الجنوبي للمدينة، حجته أنه لا يريد أن يقال عن الدولة العبرية أنها تقتل الأطفال .
موقف غريب فعلاً لضابط في جيش احترف الإبادة بالتأويل الدموي للنص التوراتي، فالاتشي سألته ما إذا كان قد نقل رأيه إلى وزير الدفاع آرييل شارون، أجاب "كان لقاؤنا صاخباً، حتى أن الضباط في المكاتب المجاورة ظنوا أننا اشتبكنا بالأيدي". وإلى رئيس الوزراء مناحيم بيغن ؟ "لم استطع إقناعه ولا هو استطاع إقناعي" . الآن يقول ايتامار بن غفير "فلنحرق كل لبنان" , ويقول بسلئيل سموتريتش "لنفتح أبواب الجحيم أمام لبنان" . ردات الفعل جاءت من بعض الأكاديميين الإسرائيلين "لا نريد أدولف هتلر بيننا" . ولكن هل فعل النازيون في البلدان التي احتلوها ما يفعله الإسرائيليون إن في غزة أو في لبنان ؟
إلى أصقاع الدنيا وصلت قهقهات بن غفير عندما علم أن الكلاب تأكل جثث الأطفال الفلسطينيين , بعدما امتنعت حتى الغربان عن الاقتراب منها . وزير الأمن القومي قال بشن الحرب على دونالد ترامب , ليذكره نائب الرئيس جي دي فانس بأن "ثلثي الأسلحة "الدفاعية" التي حمت وطنكم بنيت بأيد أميركية , ودفعت بأموال الضرائب الأميركية " , ليضيف "لقد آن الأوان لكي تقرؤوا الواقع بدقة لا البقاء على تخوم الخيال" . ضمناً تهديد بوقف امداد إسرائيل بالمعونات العسكرية ...
ولكن من تُراه ينسى أن الأميركيين , ومنذ هاري ترومان , زودوا الإسرائيليين , بكل تلك القاذفات الأكثر تطوراً , وكل تلك القنابل , الأشد فتكاً في التاريخ والتي قتلت عشرات آلاف العرب , إنما كانت لحماية الدولة العبرية من حملة البنادق . وحتى من حملة الحجارة . لكنه منطق الكاوبوي الذي لا تعنيه جثث العرب ولا أراضي العرب , وإن كان يفترض بنا أن نستعيد الشعار الشهير لبيغن والذي أطلقه في الستينات من القرن الفائت "العالم لا يشفق على المذبوحين لكنه يحترم المحاربين" .
تذكير آخر بقول محمد حسنين هيكل , غداة انتصار الفيتكونغ في نيسان 1975 , وسقوط مدينة سايغون في يدهم "لاحظوا كيف أن الكاوبوي يطلق النار على صدور رفاقه لا على ظهورهم" . أليس هذا ما يفعلونه بالعرب ؟ لكأن "المكيافيلية العظمى" هي الرديف لـ"أميركا العظمى" .
من هنا تعليق لورنس أودونيل , المذيع في شبكة MSNBC , "لماذا يفترض بحلفائنا أن يكونوا وقود الرقصة الأخيرة على الحلبة ؟" . الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني خاطب جو بايدن , عشية الخروج الأميركي من بلاده على ذلك النحو المخزي "لسنا تماثيل الشمع أيها السيد الرئيس" !
الآن هل هي مفاوضات واشنطن وطهران حول مستبقل العلاقات بين البلدين أم هي مفاوضات حول مستقبل الشرق الأوسط ؟ معلق إراني قال "لسنا من النوع الذي يخلع أسنانه قبل الدخول إلى قاعة المفاوضات" . بعدما أعلنت الخارجية الأميركية الفصل بين المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران والمسار التفاوضي بين بيروت وتل أبيب , وهي العملية الضبابية بالنظر للترابط إن في الجبهة العسكرية أو في الجبهة الديبلوماسية , إذا بالسلطات اللبنانية تفاجأ بأن الموضوع اللبناني يشكل البند الأول في مفاوضات بورغنشتوك . وإلى حد الخروج باتفاق حول آلية لوقف النار .
حتى اللحظة لا تزال هناك مخاوف من انهيار مفاجئ في العملية الديلوماسية إذا ما أخذنا بالاعتبار مدى التغلغل الأخطبوطي للوبي اليهودي في المفاصل الأساسية لـ "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة , وإن كان واضحاً أن ثمة تحولاً دراماتيكياً في اتجاهات النخب الجامعية التي من المفترض أن تشكل في العقد المقبل المنظومة الحاكمة للأمبراطورية .
لكننا أمام دونالد ترامب الذي يصفه العديد من أركان الـ MAGA بـ"النبي الأميركي" , وقد وصل في حربه ضد إيران إلى عنق الزجاجة , وحتى إلى قعر الزجاجة . هنا استعادة وسائل إعلام أميركية رأي الجنرال ديفيد بترايوس الذي سبق ورأى في الخروج من أفغانستان بمثابة الخروج من "استراتيجية المستنقعات" .
متأخراً لاحظ دونالد ترامب عبثية أي مغامرة في أدغال الشرق الأوسط , وبعدما كانت "النيويورك تايمز" قد تحدث عن سقوط الرئيس الأميركي في المصيدة الإسرائيلية . لكن الرجل يظل الظاهرة العجيبة في الأداء السياسي والإعلامي .
فيما كان رئيس الحكومة الباكستانية يقول "إن المشاركين في المفاوضات المباشرة بين أميركا وإيران يشهدون يوماً عظيماً من أجل السلام العالمي" , كان ترامب يتأرجح بين القول "أشعر بخيبة أمل من إسرائيل , فهي لا تستطيع فعل أي شيء سوى هدم المباني في لبنان" , والعودة إلى تهديد إيران بـ "الاستيلاء على بقية البلاد" (!!) , وكذلك التهديد بضربها مجددا "إذا لم توقف وكلاءها في لبنان عن إثارة المشاكل" . هذا ما أرخى بظلاله على المشهد قبل أن يقول جي دي فانس للوفد الإيراني "نحن هنا نتفاوض لا على الشاشات" !
لكن المثير للذهول وللصدمة في آن قول ترامب لـ"فوكس نيوز" "أقترب من تسليم ملف "حزب الله" لسوريا , ومنح القوة للرئيس السوري أحمد الشرع" , أي الانتقال من حرب الأعداء (لبنان واسرائيل) إلى حرب الأشقاء (لبنان وسوريا) , ليكون الرد الواقعي , والمنطقي , للشرع , إذا كيف لسوري أن يطلق رصاصة على لبناني من أجل بنيامين نتنياهو الذي أعلن أنه في "مهمة روحية" إقامة "إسرائيل الكبرى" , انتهز المرحلة الانتقالية في سوريا لاحتلال الجزء السوري من جبل الشيخ وإقامة المنطقة العازلة , ما ترفضه دمشق بشكل مطلق ...
هل يريد الرئيس الأميركي الذي وصل في حربه ضد إيران إلى طريق مقفل أن يقدم لبنان وسوريا هدية على طبق من الدم إلى اللوبي اليهودي الذي وصف عمدة نيويورك زهران ممداني أركانه بـ"الوحوش" . كثيراً ماكتبنا عن الكوميديا الأميركية السوداء . لكننا الآن أمام مشهد آخر في الشرق الأوسط ويدعو إلى التفاؤل . دور لتركيا والسعودية ولباكستان ولمصر وقطر في إزالة جبال النار بين بلدان المنطقة . إيران تتجاوب . إسرائيل تبحث عن رجل آخر يخرجها من جهنم ...

