ميرا عيسى - خاصّ الأفضل نيوز
ولد السياسي اللبناني جورج حاوي في 5 نوفمبر 1938 في بلدة بتغرين في قضاء المتن الشمالي لعائلة مسيحية أرثوذكسية، وتزوج لاحقاً من الدكتورة سوسي مادويان. ورغم تأثره في بداية حياته بأفكار الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلا أنه انخرط رسمياً في الحزب الشيوعي اللبناني عام 1955، حيث تلقى تدريبه على يد الرعيل الأول من قادته.
برز حاوي سريعاً كأحد قادة الاتحاد الطلابي والحركة العمالية والنقابية في أواخر الخمسينات، وقاد العديد من الإضرابات والتظاهرات التي تعرض بسببها للاعتقال عدة مرات في الستينات ومطلع السبعينات.
هذا النشاط الميداني رافقه تدرج سريع في الهيكل القيادي للحزب؛ إذ انتخب عضواً في اللجنة المركزية عام 1964 كأصغر أعضائها سناً، ثم صعد إلى المكتب السياسي، وتولى الأمانة العامة للحزب في الفترة ما بين 1976 و1992 بعد تجديد انتخابه في عدة مؤتمرات حتى استقالته عام 1993، ليُنتخب لاحقاً رئيساً للمجلس الوطني للحزب عام 1999 قبل أن يستقيل منه أواخر عام 2000.
الأدوار السياسية وجبهة المقاومة
يُصنف جورج حاوي كأحد أبرز وجوه اليسار اللبناني والحركة الوطنية اللبنانية إلى جانب الزعيم كمال جنبلاط. وإبان الاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت صيف عام 1982، صاغ حاوي محطة تاريخية بإعلانه المشترك مع محسن إبراهيم (الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي) عن إطلاق "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" (جمول) لمقاومة الاحتلال.
وفور انتهاء الحرب الأهلية، بادر عام 1991 إلى طرح مشروع للمصالحة الوطنية شمل زيارات لمختلف الأقطاب السياسيين، وكان آخر مشاريعه السياسية إطلاق "التجمع اليساري للاستقلال والتقدم" في نيسان 2004. ورغم معارضته الشديدة لسياسات الحكومة اللبنانية والهيمنة السورية آنذاك، فقد تمسك بخطاب معتدل يدعو إلى الاحترام المتبادل بين بيروت ودمشق.
مسيرة المقاومة والتحول النضالي حتى الاغتيال
برز جورج حاوي كأحد أعمدة اليسار والحركة الوطنية اللبنانية إلى جانب كمال جنبلاط، وتكلل دوره النضالي بإطلاق "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" (جمول) عام 1982 رفقة محسن إبراهيم لمواجهة الاجتياح الإسرائيلي، لينتقل بعد الحرب الأهلية نحو ترسيخ المصالحة الوطنية عام 1991، وصولاً إلى تأسيس "التجمع اليساري للاستقلال والتقدم" عام 2004؛ ورغم معارضته الحازمة للهيمنة السورية والسياسات الحكومية آنذاك، فقد حافظ على خطاب متزن يدعو لندية العلاقات بين بيروت ودمشق، إلى أن طُويت صفحته السياسية الحافلة باغتياله في 21 حزيران 2005 عبر عبوة ناسفة فُجِّرت عن بُعد تحت مقعد سيارته في منطقة وطى المصيطبة ببيروت.
أين اليسار اليوم؟
لم يكن انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي مجرد حدث سياسي عابر، بل كان زلزالاً جيوسياسياً أعلن تفرد الرأسمالية الشرسة بقيادة العالم، مما أدى إلى قطع الشريان الحيوي والدعم المالي واللوجستي عن الأحزاب اليسارية عالمياً، وفي قلبها اليسار اللبناني الذي تُرك بلا غطاء يحمي استمراريته، لينعكس هذا الانهيار التاريخي مباشرة على واقعه الحالي، دافعاً به إلى هامش المشهد السياسي والاجتماعي.
ويعد هذا التراجع والغياب في ظل المنعطفات المصيرية والظروف الحرجة للوطن أمراً معيباً؛ كون اليسار يمثل تاريخياً وعقائدياً ركيزة المقاومة الأساسية وخط الدفاع الأول عن الأرض والكرامة، وتتشابك في أزمته اليوم عوامل موضوعية وذاتية تتجسد في جفاف التمويل وعجزه عن مجاراة الماكينات المالية والإعلامية، بالتوازي مع ترهل إداري وتنظيمي جوهري جعل هذه الأحزاب تغرق في عقلية الحلقات النخبوية المعزولة عن الشارع، مما أفقدها القدرة على استقطاب الشباب وتحويل الغضب الشعبي إلى حركة منظمة.
ويصطدم نشر هذا الفكر العابر للطوائف بحصار شرس من الفكر الطائفي المسيطر على عقول شرائح واسعة، مما يفرض حاجة ماسة اليوم لتجذير الأيديولوجية اليسارية في عمق المجتمع ورفع مستوى وعي الجماهير؛ باعتبار أن الشعوب الواعية هي الركيزة الأساسية والوحيدة القادرة على كسر القيود الطائفية، وتغيير وجه المجتمع، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواجهة.
من إرث حاوي إلى ساحة الفعل.. رهان الاستمرارية
لا يسع اليسار اللبناني أن يكتفي ببكاء الأطلال أو استحضار أمجاد "جمول" والمقاومة الوطنية كأيقونات في صالونات النخبة، إن الوفاء الحقيقي لدمائه ولإرثه النضالي لا يكمن في تقديس الماضي، بل في امتلاك شجاعته ذاتها: شجاعة النقد الذاتي، والانفتاح على العصر، والجرأة على التغيير التنظيمي.
إن النصيحة الأساسية التي يجب أن يعيها اليسار واليساريون اليوم، هي ضرورة التحرر من أسر القوالب الجامدة والخطابات الخشبية التي تجاوزها الزمن. لم يعد مجدياً الانكفاء في حلقات فكرية مغلقة؛ فالأيديولوجيا التي لا تترجم إلى خبزٍ، وعدالة، وعملٍ ميداني بين الناس تفقد مبرر وجودها.
على اليسار اليوم أن يغادر برج النخبوية العاجي ليعود إلى مكانه الطبيعي: في المعامل، والجامعات، والنقابات، والقرى، والمدن، مستمعاً لهواجس الشباب ومطالبهم، ومحوّلاً الغضب الشعبي المشتت إلى مشروع سياسي واقتصادي بديل وعابر للطوائف.
إن كسر الطوق الطائفي وتجذير الفكر التقدمي لن يحدثا بالبيانات الإنشائية، بل بالمواجهة الفكرية والميدانية اليومية، وتقديم نموذج تنظيمي ديمقراطي وجاذب للأجيال الجديدة.
لقد أثبت جورج حاوي في مسيرته أن اليسار يكون في أوج قوته عندما يلتحم بقضايا وطنه وشعبه بمرونة وواقعية دون المساومة على المبادئ؛ واليوم، إما أن يستلهم اليسار هذه الروح لإعادة بناء نفسه كقوة تغيير حقيقية في هذا المنعطف المصيري، أو أن يستسلم للهامش، تاركاً الساحة لقوى المحاصصة الطائفية لتصوغ مستقبل الوطن بأسره.

