طارق الحجيري_خاص الأفضل نيوز
يحضر الملف اللبناني في معظم التصريحات الدولية المرتبطة بمشهد الشرق الأوسط. لكن خلال المرحلة الأخيرة، برز تقاطع لافت بين حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبة واشنطن في انخراط سوريا في لبنان، وبين رسائل الطمأنة التي يوجّهها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى اللبنانيين.
وبين الخطابين يطرح اللبنانيون سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام إعادة تعريف للعلاقة السورية – اللبنانية، أم مجرد رسائل سياسية مرتبطة بمرحلة انتقالية إقليمية؟
مخاوف مشروعة
كلام ترامب عن دور مطلوب من دمشق بمسألة نزع سلاح حزب الله، أثار قراءات لبنانية متباينة، غلب عليها القلق. فالعلاقة بين البلدين لا تُقرأ بوصفها ملفًا دبلوماسيًا عاديًا، بل من خلال إرث طويل من التشابك السياسي والأمني والجغرافي، إرث سيء يجعل أي حديث عن دور سوري في لبنان موضع حساسية داخلية كبيرة.
وتتجاوز هذه المخاوف البعد السياسي المباشر، لتصل إلى أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل التوازنات الداخلية اللبنانية، وبانعكاسات أي تفاهمات دولية جديدة على الجغرافيا الحدودية، ولا سيما في منطقة البقاع التي تبقى الأكثر التصاقًا بالتطورات السورية تاريخيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
رسائل إيجابية.. ولكن
في المقابل جاء خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلته الإعلامية الأخيرة هادئًا محمّلًا برسائل ايجابية في مضمونها ونبرتها. فقد شدّد على أن سوريا لا تنظر إلى لبنان كساحة نفوذ ولا كمساحة اشتباك، بل كبلد شقيق يحتاج إلى الاستقرار والحوار وفرص الازدهار الاقتصادي.
بدت الرسالة موجّهة بصورة أساسية إلى الداخل اللبناني، وكأن دمشق الجديدة تحاول الإشارة إلى أن المرحلة المقبلة لن تقوم على استعادة أدوار سابقة، بل على مقاربة مختلفة عنوانها تخفيف التوتر وفتح أبواب التعاون.
ويكتسب هذا الخطاب أهمية إضافية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث لم تعد التفاهمات تُبنى على منطق السيطرة المباشرة، بل على إدارة النفوذ، وضبط الحدود، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح بإطلاق مسارات اقتصادية جديدة.
الاختبار في الأفعال
ورغم أهمية رسائل الطمأنة السورية، يبقى السؤال اللبناني مشروعًا: هل تكفي التصريحات لتجاوز ذاكرة طويلة من التعقيدات والهواجس؟
فالاختبار الحقيقي لن يكون في اللغة السياسية، بل في ترجمتها إلى خطوات عملية: احترام متبادل للسيادة، ضبط الحدود، تعاون اقتصادي واضح، وامتناع كامل عن تحويل لبنان إلى ساحة رسائل أو تصفية حسابات إقليمية.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى وصايات جديدة ولا إلى خصومات مفتوحة، بل إلى بيئة إقليمية تمنحه فرصة استعادة الدولة واستقرار الاقتصاد. وإذا كانت سوريا تقول إنها تريد للبنان الحوار والأمان والازدهار، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الطمأنة وحدها، بل عبر سياسات تُحوّل الخطاب إلى واقع.

