محمد علوش -خاصّ الأفضل نيوز
إذا صحّ ما يتسرّب عن الملحق الأمني السري المرافق للاتفاق الإطاري، فإن لبنان سيكون أمام إعادة صياغة كاملة للعلاقة الأمنية بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، وفق آلية تجعل القرار العسكري اللبناني خاضعاً لمعايير يحددها الطرف الإسرائيلي بصورة غير مباشرة، تحت عنوان التحقق والتنسيق ومنع الاحتكاك.
الخطورة بحسب مصادر لبنانية متابعة لا تكمن فقط في الحديث عن نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة، بل في البنية التي يرسمها الملحق نفسه، مشيرة عبر "الأفضل" إلى أن المناطق التي تسمى "تجريبية" ستتحول إلى مختبر ميداني تخضع فيه مؤسسات الدولة، وفي مقدمها الجيش اللبناني، لعملية تقييم مستمرة، تقاس بمدى رضا إسرائيل عن نتائج التنفيذ.
بحسب النص المتداول، فإن مراحل التطهير والتحقق والانتشار وإعادة الإعمار ليست مراحل مستقلة، بل سلسلة مترابطة تجعل الانتشار العسكري اللبناني مشروطاً بموافقة جهة تحقق خارجية، يقولون إنها جهة ثالثة متفق عليها، ولكن هل ستكون إسرائيل بعيدة عنها أو أنها ستكون محايدة، هذا في حال سلمنا جدلا بصوابية فكرة المناطق التجريبية، وبحسب تفسير ما تسرب يصبح الانسحاب الإسرائيلي مرتبطاً بتقدير نجاح الجيش في تنفيذ المطلوب منه، وهنا تنتقل إسرائيل من موقع الدولة المحتلة التي يفترض أن تنسحب أولاً، إلى موقع الممتحن الذي يمنح علامات النجاح أو الرسوب، وعلى أساسها يقرر متى ينسحب وأين ينسحب، وإذا كان سينسحب أصلاً.
الأخطر، أن إنشاء مجموعة التنسيق العسكري المشتركة يمنح إسرائيل، ولو عبر قنوات غير مباشرة، حضوراً دائماً في إدارة الواقع الأمني داخل لبنان. فهذه المجموعة لا تقتصر مهمتها على منع الاحتكاك، بل تشرف على التحقق، وتتابع التنفيذ، وتخطط لإعادة الانتشار، وترفع تقاريرها بصورة دائمة. أي أن المؤسسة العسكرية اللبنانية تصبح عملياً جزءاً من منظومة تنسيق يكون للطرف الإسرائيلي فيها موقع أساسي في تقييم الأداء وتحديد الخطوات التالية، وهذا يعني أن كل منطقة تدخلها وحدات الجيش قد تتحول إلى مساحة انتظار لقرار إسرائيلي. فإذا اعتبرت تل أبيب أن المهمة لم تنجز بالكامل، يبقى الاحتلال قائماً، وإذا رأت أن البنية العسكرية لم تُفكك كما تريد، يتأخر الانسحاب، وإذا أعلنت وجود ثغرات أمنية، تعود المطالبة بإجراءات إضافية. وهكذا يصبح تنفيذ الالتزامات اللبنانية عملية مفتوحة بلا سقف زمني واضح، بينما يتحول الانسحاب الإسرائيلي إلى مجرد وعد مشروط بلائحة لا تنتهي من الشروط.
ولا يبدو هذا السيناريو بعيداً عن المواقف السياسية المعلنة من الجانب الإسرائيلي. فقد كرر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أكثر من مناسبة أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها ما دامت تعتبر أن التهديدات الأمنية قائمة، وربط استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي بتحقيق ما يسميه الأمن الكامل لإسرائيل، سواء في لبنان أو سوريا أو قطاع غزة. هذا الخطاب بحسب المصادر يكشف أن العقيدة الإسرائيلية لا تقوم على الانسحاب مقابل تنفيذ الاتفاقات، بل على البقاء إلى أن تقرر إسرائيل وحدها أن البيئة الأمنية أصبحت مناسبة لمغادرتها.
ومن هنا، فإن "المناطق التجريبية" لن تقود بالضرورة إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، بل قد تتحول إلى وسيلة تمكن إسرائيل من شرعنة الاحتلال وادارته برضى الدولة.
وترى المصادر أن الأخطر من ذلك أن الجيش اللبناني، الذي يفترض أن يكون المؤسسة الوطنية الجامعة، يجد نفسه، إذا صح هذا الملحق، أمام معادلة لم يعهدها بتاريخه حتى في احلك الظروف، فهو مطالب بتنفيذ مهمات أمنية محددة ضد لبنانيين، لكنه في الوقت نفسه يخضع لتقييم من منظومة أو لجنة أو آلية أو طرف ثالث، يكون لإسرائيل في كل ذلك دور أساسي، سواء عبر الخرائط، أو طلبات المتابعة، أو تقارير التحقق، أو تحديد مستوى النجاح، وعندها يصبح أي اختلاف في التقدير، سبباً لتمديد الاحتلال وتأجيل الانسحاب وفرض المزيد من الشروط والطلبات.
أما إعادة الإعمار، التي تظهر في النص كمرحلة أخيرة، فهي بدورها تصبح مرتبطة باستكمال المراحل الأمنية، ما يعني عملياً أن عودة الحياة الطبيعية إلى القرى والبلدات قد تتحول إلى ورقة ضغط إضافية، تستخدم لدفع الدولة اللبنانية إلى تنفيذ المزيد من الشروط، فيما يبقى السكان رهائن المسار الأمني، على عكس ما قاله سابقا السفير الأميركي في لبنان عندما حاول شرح فكرة المناطق التجريبية.

