طارق الحجيري- خاصّ الأفضل نيوز
في لبنان، أزماتنا ليست من الخارج كما نحب أن نقنع أنفسنا دائمًا، بل تبدأ في أغلب الأحيان عندما نستجلب الخارج إلى الداخل بلغة الاستقواء ومنطق الغلبة، كل تفاهم إقليمي يتحوّل عندنا إلى مشروع اشتباك داخلي، وكل متغير دولي يصبح مناسبة لإعادة فرز اللبنانيين لا لإعادة بناء الدولة.
ماذا بعد؟؟
اليوم .. وبعد انطلاق مسار إسلام آباد التفاوضي، وإقرار تفاهمات أميركية – إيرانية، وما تبعه من اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، والترتيبات المتصلة بلبنان وجنوبه ومستقبله السياسي والأمني، بات السؤال محليًا بالكامل وأبعد من تفاصيل الاتفاقات نفسها: ماذا سيفعل اللبنانيون بهذه اللحظة؟
هناك من يتصرف وكأن المرحلة مناسبة هي لإعلان انتصاره السياسي على خصومه، وهناك من يقرأ كل تغيير باعتباره محاولة لإلغاء وجوده أو تحجيم دوره، وبين خطابين متقابلين، يضيع سؤال الدولة، المشكلة أن اللبنانيين جرّبوا هذا الطريق سابقًا، كل فريق ظنّ في لحظة ما أنه قادر على إنتاج لبنان على صورته، النتيجة كانت دائماً واحدة: دولة أضعف، طوائف أكثر خوفاً، وخارج أكثر حضوراً.
لا غلبة ولا إقصاء
ليس مطلوبًا اليوم أن تتنازل أيّ بيئة عن دورها السياسي، ولا أن يُلزَم أيّ مكوّن توقيع استسلام معنوي أو وطني، لكن المطلوب من الجميع الاعتراف بحقيقة راسخة: لا أحد يملك القدرة على حكم لبنان منفرداً، ولا أحد يملك القدرة على إقصاء الآخرين.
البيئة الشيعية، كما غيرها من البيئات اللبنانية، ليست كتلة سياسية واحدة، وفي داخلها أسئلة ونقاشات وتيارات ومراجعات، سواء كانت علنية أو خافتة، والتعامل معها كخصم جماعي لن ينتج دولة، بل سيعيد إنتاج الشعور بالمظلومية الذي خَبِر لبنان كلفته مرات كثيرة.
وفي المقابل، فإن التمسك بمنطق السلاح وفرضه كأمر واقع بوصفه بديلاً عن الدولة، لن ينتج استقراراً دائمًا، لأن الدول لا تُبنى على توازنات مؤقتة بل على عقد وطني شامل يشعر فيه الجميع أنهم شركاء.
الحوار ضرورة
الحوار هنا ليس شعارًا أخلاقيًا ولا صورة تذكارية ولا طاولة بيانات. بل هو ضرورة وطنية وجودية للاتفاق على قواعد العيش المشترك وعلى شكل الدولة التي تضمن الحقوق وتحتكر القرار وحدها وتحمي الجميع وحدها، البديل عن الحوار ليس الحسم كما يتوَّهم البعض، التجربة اللبنانية تقول إن البديل هو التعطيل، ثم الانقسام، ثم الانهيار.
لهذا.. قد يكون العنوان الأدق للمرحلة المقبلة بسيطًا ولينًا في آنٍ واحد: الحوار أو الانتحار، إما أن يقتنع اللبنانيون أن الدولة لا تُبنى بإلغاء أحد، أو يبقون يدورون في الحلقة نفسها، بانتظار تسوية جديدة، وخيبة جديدة، وجمهورية مؤجلة مرة أخرى.

