ميرا عيسى - خاص الأفضل نيوز
لم تكن العقوبات الغربية التي فُرضت على موسكو مجرد إجراءات عقابية، بل أعادت رسم خارطة الجغرافيا الاقتصادية للعالم. فبعد عقود من الاعتماد المتبادل، قطعت روسيا الجسر الاقتصادي الأهم مع سوقها التقليدية في أوروبا، مما دفع الكرملين لتسريع خطته الاستراتيجية نحو "التوجه شرقاً".
وفي غمرة البحث عن بدائل قادرة على استيعاب صادرات الطاقة الهائلة وتأمين خطوط إمداد جديدة، اتجهت الأنظار صوب رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). يمثل هذا التكتل قوة اقتصادية صاعدة وسوقاً ضخماً يتسم بالحياد السياسي، ولكن هل يملك القدرة ليكون المنقذ الاقتصادي البديل لموسكو؟ أم أن شبح العقوبات والمصالح مع الغرب سيجعلان هذا السوق مجرد ممر تكميلي لا طوق نجاة؟
كلفة التحول الهيكلي
شكّل قطع الشريان الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي صدمة بنيوية لروسيا؛ ورغم نجاحها المؤقت عامي 2022 و2023 في امتصاص الصدمة عبر تحويل نفطها نحو الصين والهند، مستفيدةً من طفرة الأسعار، إلا أنها خسرت شركاءها التكنولوجيين والتاريخيين من عمالقة النفط والغاز، كـ"بي بي"، و"شل"، و"إيني".
كما تشير المعطيات إلى هبوط متوقع بنحو 23% في إيرادات النفط والغاز الروسية جراء العقوبات، وتراجع الأسعار، واستهداف المصافي الميدانية. ويتزامن هذا التآكل مع تحول البلاد إلى "اقتصاد الحرب"؛ حيث تضاعف الإنفاق العسكري أربعة أضعاف منذ عام 2021، مستهلكاً الميزانية، مما هبط بتوقعات النمو السنوي إلى 1%، وسط نمو هزيل للناتج المحلي لا يتعدى 0.4%.
ولكبح التضخم، اضطر البنك المركزي إلى رفع الفائدة إلى مستوى قياسي عند 20%. وتتفاقم هذه الضغوط النقدية بفعل عزلة مالية ولوجستية حادة، إثر حظر شركات الشحن الكبرى، كـ"ميرسك"، وخفض تصنيف روسيا الائتماني إلى درجة "غير مرغوب فيه"، مما عطل اقتراضها الخارجي ودفع شركات سيادية إلى التعثر، مجبرةً موسكو على الالتفاف عبر أسواق بديلة مثل دبي لتسييل أصولها وذهبها.
الشراكة بين موسكو والقارة العجوز
شكّل الاتحاد الأوروبي وروسيا، قبل عام 2022، شريكين اقتصاديين متكاملين؛ إذ اعتمدت أوروبا على موسكو لتأمين 45% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي عبر شبكة أنابيب استراتيجية مثل "نورد ستريم"، و27% من النفط الخام، إلى جانب حصص ضخمة من الفحم والمعادن الأساسية كالألمنيوم.
وفي المقابل، كانت السوق الأوروبية الشريان المالي للاقتصاد الروسي، حيث استهلكت نحو 70% من صادرات الغاز الروسي وأكثر من نصف صادرات النفط، مما ضمن تدفق ما يزيد على 150 مليار يورو سنوياً إلى موسكو.
انكسرت هذه المعادلة جذرياً بعد حرب أوكرانيا عام 2022؛ حيث هوى التبادل التجاري، وتوجهت أوروبا نحو مصادر بديلة عبر خطة "REPowerEU" (أُطلقت في مايو 2022 بهدف تقليل اعتماد الاتحاد على الطاقة الروسية وتسريع التحول النظيف).
ورغم قفزة مؤقتة لواردات الغاز الروسي، تبنت المفوضية الأوروبية خطة لإنهاء الاعتماد على طاقة موسكو ونفطها كلياً، طاويةً حقبة طويلة من الاعتماد المتبادل.
المقومات الاستراتيجية لأسواق "آسيان"
تُمثل رابطة "آسيان" (منظمة سياسية واقتصادية تأسست عام 1967، وتضم إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند، بالإضافة إلى الدول التي انضمت لاحقاً، وهي بروناي، وفيتنام، ولاوس، وميانمار، وكمبوديا) قوة جيوسياسية واقتصادية بارزة؛ إذ تشكل خامس أكبر اقتصاد عالمي، وسوقاً استهلاكية ضخمة تضم أكثر من 660 مليون نسمة بحاجة متزايدة للطاقة.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية للتكتل في تحكمه بممرات مائية حيوية، كـ"مضيق ملقا" (ممر بحري ضيق يقع في جنوب شرق آسيا بين شبه الجزيرة الماليزية وجزيرة سومطرة الإندونيسية، ويصل بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ)، وبحر الصين الجنوبي، فضلاً عن تبنيه "المركزية الدبلوماسية" والحياد، مما جعله وسيطاً موثوقاً لإدارة التنافس بين القوى العظمى وترسيخ الاستقرار الإقليمي.
هذه المقومات حوّلت "آسيان" إلى بديل تجاري حيوي لروسيا لتعويض خسائرها في الأسواق الأوروبية التقليدية. ويتصدر قطاع الطاقة مشهد هذا التعاون من خلال مباحثات ومشاريع مشتركة لتأمين احتياجات التكتل النفطية والغازية، وهو توجه تسعى موسكو إلى مأسسته عبر خطة عمل "روسيا-آسيان" لتوسيع الاستثمارات المتبادلة، مستفيدةً من المنصات الدبلوماسية التي يوفرها التكتل لتعزيز حضورها الدولي بعيداً عن الضغوط الغربية.
مستقبل التحالف
يواجه طموح التحول الروسي نحو منظمة "آسيان" عقبات تجعل الأخيرة عاجزة عن تشكيل بديل فوري كامل. فالنمو الاقتصادي، والتصنيع، والتحول الرقمي، يرفعون الطلب على الطاقة في المنطقة بشكل يتطلب إمدادات مستقرة وعاجلة. ومع استمرار هيمنة الفحم والغاز على مزيج الطاقة، يظل التحول تدريجياً ومحكوماً بأمن الإمدادات، بحيث تعوق القيود التنظيمية، والتمويلية، وشبكات النقل إنشاء المشاريع النظيفة.
فهل ستخفق روسيا و"آسيان" في تفكيك هذه العقد اللوجستية والسياسية، أم سينجحان في نسج تحالف قوي يمهّد لولادة قطب عالمي جديد ينهي حقبة الهيمنة الأحادية؟

