ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد الحديث عن الرحلات الجوية من وإلى بيروت مجرد أرقام تتعلق بحركة المسافرين، بل بات مؤشراً اقتصادياً يترقبه اللبنانيون في كل صيف، ولا سيما في بلد فقد خلال السنوات الأخيرة معظم مصادر تدفق العملات الأجنبيّة. ومع بداية تموز، عاد التفاؤل تدريجياً إلى القطاع السياحي بعد القرار الإماراتي بالسماح مجدداً لمواطني دولة الإمارات العربيّة المتحدة بالسفر إلى لبنان اعتباراً من ٢٩ حزيران، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة ثقة سياسية واقتصادية بلبنان في مرحلة شديدة الحساسيّة.
ويأتي القرار بعد أسابيع فقط من تعليق السفر إلى لبنان على خلفيّة التطورات الإقليميّة، ما يجعل استئناف الرحلات بمثابة مؤشر على تحسن النظرة الخليجيّة تجاه الوضع اللبناني، ولا سيما أن السائح الإماراتي والخليجي عموماً يُعد من الأعلى إنفاقاً مقارنة ببقية الجنسيات، حيث ينعكس حضوره مباشرة على الفنادق والمطاعم والأسواق التجارية وقطاع الخدمات.
وتشير التقديرات المتداولة في الأوساط السياحيّة إلى أن لبنان قد يستقبل خلال موسم الصيف الحالي ما بين مليون ومليون ونصف مليون زائر إذا استمرت وتيرة الحجوزات الحالية ولم تطرأ أي تطورات أمنيّة مفاجئة، وهي أرقام تقترب من المواسم الجيدة التي عرفها لبنان قبل الانهيار الاقتصادي. كما أن تقديرات دوليّة كانت قد أشارت إلى إمكانية وصول عدد السياح إلى أكثر من مليوني زائر سنوياً خلال السنوات المقبلة إذا استعاد القطاع استقراره بالكامل.
أما اقتصادياً، فيراهن لبنان على موسم الصيف لضخ سيولة يحتاجها بشدة. فالسياحة كانت تاريخياً تمثل نحو ٢٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغت الإيرادات السياحية قبل الأزمات مليارات الدولارات سنوياً. وتؤكد البيانات الدوليّة أن لبنان استقبل نحو ١.٩ مليون سائح في عام ٢٠١٩، قبل أن تدخل البلاد في دوامة الانهيار المالي والأزمات الأمنيّة المتلاحقة.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن أي موسم سياحي ناجح هذا العام يمكن أن يضخ ما بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار في الأسواق اللبنانية من خلال إنفاق السياح وتحويلات المغتربين، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الحركة التجارية والقطاعات الخدماتية ويمنح الاقتصاد جرعة أوكسيجين يحتاجها بشدة بعد سنوات من الركود.
وفي موازاة الرهان على صيف واعد، عاد ملف مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات إلى الواجهة مجدداً، بعدما كثفت الحكومة اللبنانية حديثها عن إعادة تشغيله ووضعه على سكة التنفيذ. ويعتبر خبراء النقل أن تشغيل المطار الثاني في لبنان لم يعد ترفاً إنمائياً أو مطلباً شمالياً فحسب، بل تحوّل إلى ضرورة استراتيجية لبلد يعتمد بالكامل على مطار واحد في حركة السفر والشحن.
ومن شأن تشغيل مطار القليعات أن يرفع القدرة الاستيعابية لحركة الطيران، ويجذب شركات طيران منخفضة الكلفة، ويخفف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي، فضلاً عن تنشيط الاقتصاد في محافظتي عكار والشمال وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. كما يمكن أن يشكل المطار الجديد بوابة إضافية لاستقطاب السياح والمغتربين، خصوصاً في ظل أي نمو مرتقب في أعداد الوافدين خلال السنوات المقبلة.
لكن، ورغم كل المؤشرات الإيجابيّة، يبقى نجاح الموسم السياحي الحالي مرتبطاً بعامل أساسي لا يمكن تجاهله، وهو الاستقرار الأمني والسياسي. فلبنان اعتاد خلال السنوات الماضية على مواسم واعدة انتهت بخيبات أمل نتيجة أحداث غير متوقعة، ما يجعل صيف ٢٠٢٦ بمثابة اختبار حقيقي لقدرة البلاد على استعادة ثقة العالم العربي والسياح والمستثمرين.
وبين عودة الإماراتيين إلى بيروت، والرهان على استقبال أكثر من مليون زائر، وإعادة إحياء مشروع مطار القليعات، يبدو أن لبنان يقف أمام فرصة اقتصادية نادرة. وإذا نجح في استثمارها، فقد لا يكون هذا الصيف مجرد موسم سياحي جيد، بل بداية مسار طويل لاستعادة دوره الاقتصادي والسياحي في المنطقة.

