مفيد سرحال - خاصّ الأفضل نيوز
في ظل تصدعات جدار النفوس والنصوص، تبدت فجأة صيغ، وطفت على السطح مصطلحات سياسية، ورشحت اعتمالات النفوس عما كان مخبوءًا، وانفضحت نوايا مضمرة لم تكن لتظهر فجأة بفجاجة وفظاظة كي لا نقول وقاحة، بناء على حسابات ارتسمت معالمها بدفع من أوهام وتخيلات عن تبدلات في موازين القوى إثر الحرب التي شنها العدو الإسرائيلي على لبنان، وما نتج عنها من دمار وخسائر لحقت ببيئة المقاومة وهيكلها العسكري، وهي أصلا بالمعنى الوطني تضحيات على مذبح وطن، ذودا عن سيادة واستقلال مستباح، وعليه نضجت رغبات زينتها أطياف وهيجتها أهواء أولئك الألمعيين الدهاقنة!!!، لتنتشر ولو بعض من حلم أصداء حذلقة طالعة من فضاءات عقول تائهة !!! لصيغ توليدية نضجت على جبين الواقع المعيش.!!!
فسمعنا قولا صريحا لا تلميحا حول البدء بالتحضير العملي المباشر بأنموذج من تلك الصيغ التي تم نبشها في لحظة فارقة لتهز شباك منظومة الحكم: الفدرالية، اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة...
بيد أن الطائف يتحدث عن اللامركزية الإدارية حصرا، ولأن الأفذاذ من ساستنا ببراعتهم وأريحيتهم يوهمون الناس بطلاءات الادعاءات كي يقع الناس في فخ فطنتهم ونباهتهم المزعومة، وكأن كل دهقون منهم سائس خيل يروض الجياد.
يا سادة: المواطن المسكين الدَّهش من فرط حبكم المتقد الذي لا يطفئه إلا طوفان نوح عليه السلام يدرك تمام الإدراك أن الفدرلة تعني الإبقاء على سلطة مركزية بيدها قضايا الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية والمالية، تتحلق حولها أقاليم أو كيانات ذات بعد اجتماعي ديني سياسي تسمى اصطلاحا (الفدرالية الشخصية)، باعتبارها تشمل الجماعات دون الأرض حيث تقيم.. أما تنظيم الجماعات في الديمقراطيات الغربية فإنه لا يتم على أساس الطائفيات والمذهبيات والأعراق والإثنيات؛ فالكونفدراليات في الغرب الجماعي ترتكز إلى السكن وليس إلى الهويات العرقية والطائفية، في حين أن سيادة القانون والمؤسسات لا تراعي أو تتكيف وفق حاجات الجماعات وخصوصيتها أو فرادتها وفق المنطوق اللبناني، بل هي نصوص واحدة وفق معايير واحدة وممارسة متوازية متوازنة لا يهمش من خلالها المواطن من حيث الحقوق، بخلاف حقوق المواطن في لبنان المتمايزة بين طائفة وأخرى، لذا فإن بعض الأطراف اللبنانية تستعين لا بل تستورد تلك الأمثلة في خضم فوضى شعاراتية غير دقيقة لا تصح في الأنموذج اللبناني، وللأسف الشديد تستعين بأطروحات توم باراك التشليعية للكيان اللبناني، وعنصرية مفاجئة في الإعلام والشارع لم يشهد لها لبنان مثيلا من قبل على قياس ما بتشبهونا وما بدنا نعيش معكن...
والسؤال الأكثر خطورة وحراجة ما مصير الأقليات وسط الأكثريات ؟ اللهم إلا إذا كانت الأقليات أضاح وخسائر هامشية عبر انزياحات ديمغرافية جذرية! يا إلهي ما هذا العقل المريض؟!
في خضم الجدل المستشري نسي أصحاب أطروحة الفدرالية أن في صلب النزاع القائم والأزمات المعضلات التي حسم جزءًا كبيرا منها اتفاق الطائف الملتبس تطبيقا وتفسيرا، تلك المسائل المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع والمال وبالتالي إذا كنا سنرحل عقدنا واستعصاءاتنا وعصبياتنا إلى الفدرلة بخلفية اجتراح الحلول لإشكالياتنا فإننا حتما سندور في الحلقة المفرغة عينها التي ستقودنا إلى شدقي الفراغ والتخبط واللااستقرار وضياع الهوية الوطنية وكل تعبيرات ومقومات اللحمة الوطنية.
بناء عليه، نخشى ما نخشاه أن يكون تلميع صورة الفدرلة توطئة لما هو أدهى، لأن أعطابها تتواءم مع واقعنا الراهن وانسداده مقرونا بمراوحة قاتلة وتجربة فاشلة وتشظ سياسي ورهانات وارتهانات للمنفعة والوصولية تأسيسا للتسليم بالكونفدرالية كآخر محطة من محطات الافتراق بين المكونات الوطنية بعد بروز التباينات والتمايزات والانقسامات أفقيا وعاموديا على كل صعيد (سياسي، ثقافي، نفسي، مناطقي، اقتصادي، أهلي،..الخ) وكأن شعار العيش المشترك بات من الشعائر البائدة لتضارب المصالح والانكسار البنيوي العميق واستشراء الأحقاد والضغائن واتساع الافتراقات بدل ترسيخ وتوسيع المشتركات.
فهل تكونت القناعة المضمرة أن المعالجة بالبتر آخر علاجات غرغرينا الطوائف المشدودة إلى الذات أكثر فأكثر سيما وأن الدولة المفلسة كاتحاد بين الجماعات غدت أعجز عن توزيع ضرعها وزرعها بعد تجفيفها وسلب نمائها وكل وسائط مناعتها واستمرارها..
خيار قاتل في لحظة قاتلة قادنا إلى عوالمها وأوزارها سلطة اقتسمت ذاتها لذاتها فتآكلت واهترأت وها هي تحتضر في جسد الوحدة لتنبعث في جسد الوحدات والكيانات.. لاسيما مع عودة الانقسام حيال الخيارات الوطنية الاستراتيجية وهوية البلد واستساغة تقبل العدو كشريك في سلام مزعوم والنفور المقيت من الشريك الوطني ابن البلد!!!.
إن العاملين على فكرة التقسيم مناورة ومواربة استثمارا في نزوح داخلي قسري لن يطول ونزوح خارجي ثابت وراسخ في أجندات القناصل الجدد ووهم ضمور بنيوي في موازين القوى الداخلي لن يحصدوا سوى الخيبة لا لشيء إلا لكون حاملي هذا النزق السياسي لم يستفيدوا من تجارب التاريخ ولأن خيار الوحدة والمؤمنين به في وطن الأرز كانوا وما زالوا القوة الراجحة العصية على الانهزام أمام التحولات والقادرة على صنع معحزة الوحدة سيادة واستقلالا.

