د. علي دربج ــ خاصّ الأفضل نيوز
مَن منّا في لبنان وفي معظم أنحاء الكرة الأرضية لا يحمل في جيبه صورة مؤسّس الولايات المتحدة جورج واشنطن، الذي طُبعت ملامحه على الدولار الأمريكي تخليدًا لذكراه وتقديرا لدوره الكبير في قيام أمريكا التي تحتفل هذه الأيام بالذكرى الـ250 لاستقلالها.
لكن مهلاً، ما لا يعرفه كثر في هذا العالم أن جورج واشنطن، وقبل أن يصبح شخصية تاريخية معروفة — القائد الواثق في حرب الاستقلال، والذي رفض التاج وانتُخب أول رئيس للولايات المتحدة — ارتكب خلال فترة شبابه أخطاء جسيمة كانت عواقبها قاسية، والمثير أن هذه الإخفاقات ساعدت في بروزه وصولًا إلى شهرته كقائد ذاع صيته طوال القرون الماضية.
البدايات العسكرية الفاشلة لجورج واشنطن
في صيف عام 1754، كان جورج واشنطن شابًا في الثانية والعشرين من عمره، عندما أرسله حاكم ولاية فرجينيا الاستعماري روبرت دينويدي في مهمة عسكرية إلى منطقة برّية تقع اليوم في جنوب غرب ولاية بنسلفانيا، لمواجهة الفرنسيين وتأكيد حق البريطانيين في تلك الأرض المتنازع عليها، بعد أن رفض الفرنسيون مغادرة الحصون التي أقاموها هناك.
المفاجأة أن جورج واشنطن دخل في حالة من الارتباك والفوضى، دفعته إلى سوء تقدير عسكري واضح، أدى في نهاية المطاف إلى فشل المهمة بشكل كامل.
فبناءً على أوامر من دينويدي، وفي ظل رغبة عارمة لإثبات جدارته، تصرّف واشنطن بتهوّر، إذ هاجم على رأس قوة قوامها نحو 40 رجلًا مفرزةً فرنسيةً توازيها في العدد، في حادثة عُرفت فيما بعد بـ"معركة جومونفيل غلين"، وهي الواقعة التي ساهمت في إشعال فتيل الحرب الفرنسية والهندية.
ليس هذا فحسب، فبعد 15 دقيقة فقط من القتال، سقط 14 جنديًا فرنسيًا بين قتيل وجريح، وعلى رأسهم القائد جوزيف كولون دو فيلييه دو جومونفيل، الذي قُتل على يد أحد حلفاء واشنطن من السكان الأصليين (الهنود الحمر آنذاك)، وهؤلاء كانوا يتحالفون مع القوات الاستعمارية البريطانية لأسباب مختلفة، مثل العداء للفرنسيين أو السعي لحماية أراضيهم أو تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.
وعليه، وخوفًا من الهجوم الفرنسي، أمر جورج واشنطن ببناء حصن سُمّي لاحقًا "حصن الضرورة" (Fort Necessity) في منطقة قريبة ومفتوحة، لكن اختياره للموقع كان سيئًا جدًا، فهذه المساحة الجغرافية لم تخرج عن كونها سهلًا منخفضًا ومكشوفًا تحيط به الغابات والتلال المرتفعة، حيث تصلح فقط للإقامة المؤقتة، بينما تتسم بالضعف الشديد من الناحية العسكرية إلى حدّ أنها غير مناسبة للدفاع أو القتال.
وتبعًا لذلك، وبعد حوالي شهر، هاجم الفرنسيون الحصن بقيادة لويس كولون دو فيييه، شقيق القائد الفرنسي جوزيف جومونفيل المقتول، وانتهت المعركة بهزيمة واضحة وسريعة لقوات جورج واشنطن واستسلامهم.
وكجزء من شروط الاستسلام، وقّع واشنطن وثيقة مكتوبة باللغة الفرنسية (التي لم يكن يتقن قراءتها)، يعترف فيها بأن جومونفيل قد «اغتيل». واللافت أن هذه الوثيقة منحت الفرنسيين مادة دعائية قوية استخدموها لتصوير البريطانيين على أنهم قتلة ومعتدون.
أكثر من ذلك، لم تكن هذه السقطات الوحيدة له، ففي العام التالي، وخلال عمله مساعدًا للواء البريطاني إدوارد برادوك، مُني واشنطن بهزيمة جديدة عندما خسرت القوات البريطانية معركة مونونغاهيلا، بعدما تعرّضت لكمين قاتل من الجيش الفرنسي، قُتل على إثره القائد برادوك.
جورج واشنطن القائد الذي تعلّم من أخطائه
عمليًا، أجبرت الأخطاءُ واشنطنَ على مواجهة حدود قدراته، فقد علّمته الهزيمة في "جومونفيل غلين" مخاطر الطموح الجامح، بينما تجرّع في "حصن الضرورة" مرارة الاستسلام وأدرك أهمية مواءمة التكتيكات العسكرية مع البيئة المحيطة. ولذلك، لم تكن إخفاقاته دروسًا نظرية مجردة، بل خلاصات وعِبَر واقعية وملموسة أدرك واشنطن تمامًا أهميتها.
ومع مرور الوقت، أصبح أكثر حذرًا وتأنّيًا، فطوّر شعورًا أقوى بالانضباط، سواء على مستواه الشخصي أو لدى جنوده. وبصفته قائدًا للجيش القاري، بات يولي اهتمامًا أكبر بطبيعة الأرض والمعلومات الاستخباراتية وسلامة جيشه. والأهم من ذلك كله أن واشنطن بدأ يسيطر على طموحه، فتحوّل من الاندفاع إلى المثابرة، وهو درسٌ قيّم لأي قائد.
في المحصّلة
تؤكد قصة واشنطن أن الفشل ليس عكس القيادة، بل جزء منها؛ فصفات القائد الناجح مثل حُسن الحكم والمرونة وضبط النفس، غالبًا ما تتشكل وتُختبر في أصعب الظروف وعند وقوع الأخطاء والانتكاسات.
والمُخزي أن هذه الدروس والعِبَر التي استخلصها واشنطن ترجمها أثناء ما يُعرف بحرب الاستقلال في حملات الإبادة الجماعية التي قادها ضد الهنود الحمر.

