پولين فاضل - خاصّ الأفضل نيوز
دارت سبع سنوات دورتها منذ الانهيار المالي والمصرفي الكبير في لبنان في تشرين الأول من العام 2019 من دون أن يسلك بعد ملف الودائع أو ما يعرَف بملف الفجوة المالية طريق المعالجة النهائية ليبنى على الشيء مقتضاه في ما يتعلق بمستقبل القطاع المصرفي والاقتصاد الوطني، باعتبار أن إعادة الحقوق أو الودائع لأصحابها هي الحجر الأساس لتعافي الاقتصاد والانطلاق به من جديد.
أما آخر فصول هذا الملف، فهو انكباب لجنة وزارية على محاولة إدخال تعديلات على مشروع قانون الفجوة المالية أو استرداد الودائع والانتظام المالي بعدما أعيد المشروع إلى الحكومة إثر إحالته إلى لجنة المال والموازنة النيابية أواخر العام 2025. والمهم اليوم أن ساعة الحقيقة قد دقت في ملف الودائع وبلغت الدولة الاستحقاق الأهم بعد مراحل سهلة سبقته وهي متعلقة بإقرار قانون السرية المصرفية وقانون إعادة هيكلة المصارف، وصولاً إلى الحلقة الأصعب وهي تحديد الفجوة المالية وترتيب المسؤوليات إزاء أزمة العام 2019 وتوزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية.
وإذا كان بعض الخبراء الاقتصاديين يميلون إلى وصف مشروع الحكومة لإعادة الودائع بمشروع ال 100 ألف دولار، فالسبب هو أن المشروع يلحظ التسديد النقدي خلال فترة 4 سنوات لمن يملك 100 ألف دولار، فيما يُردّ كل ما يتخطى هذا المبلغ على شكل سندات مصرفية تستحق خلال 10 أو 15 أو 20 سنة تبعاً لقيمة كل وديعة. أما السؤال الأهم المطروح، فيتعلق بكيفية رد مبلغ ال 100 ألف دولار وكلفته 23 مليار دولار طالما المبلغ المتوافر هو فقط 12 مليار دولار.
ووفقاً للأرقام المتداولة، فإن مصرف لبنان لا يستطيع المساهمة لرد ال 100 ألف دولار سوى بـ6 مليارات دولار لكون حجم موجوداته من الاحتياطي الإلزامي بالعملة الصعبة يقدّر بـ11.5 مليار دولار، فيما تبلغ مساهمة المصارف 4.5 مليار دولار ومساهمة الدولة 2 مليار دولار. وفي هذا الإطار، ثمة اقتراحات لمعالجة مشكلة توفير ال 23 مليار دولار منها تمديد فترة سداد ال 100 ألف دولار حتى 6 سنوات، أو زيادة مساهمة الدولة إلى 5 مليارات دولار، أو حسم ما سبق وتقاضاه المودعون وفق التعميمين 158 و 166 من مبلغ ال 100 ألف دولار أي ما مقداره 25 مليار دولار.
الباحثة في القانون المالي الدكتورة جوديت التيني قالت في حديث إلى "الأفضل نيوز" إن "التجربة أثبتت عن سوء في ممارسة التشريع وعن عدم نية في تطبيق القوانين المقرّة بدليل أن قانون تعديل السرية المصرفية بات معدّلاً مرتين منذ إقراره سنة 2022، في وقت كان يجب إقراره سليماً منذ البداية، فضلاً عن عدم تطبيقه حتى اليوم". وتابعت:" قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها وبعد إقراره ونشره في الجريدة الرسمية في 21/8/2025 تمّ تعديله أخيراً في مجلس النواب في 12/8/2026 والتعديل في غضون عام دليل سيئ على ممارسة التشريع، مع الإشارة إلى أنّه لم يتم نشره في الجريدة الرسمية لغاية اليوم ما يعني أنّه لم يحظ بعد بتوقيع رئيس الجمهورية".
وعن قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع المعروف بقانون الفجوة المالية، قالت د. التيني إن "المطلوب إقراره بصورة جيدة وكاملة كي لا يكون مصيره كمصير القانونين السابقين، أي التعديل ثم التأخير في التطبيق، وبالتالي على مجلس النواب أن يجيب على كل النقاط التي قد تطرح لتفادي المماطلة التي قد تنجم عن إعادة النظر به مجدداً بعد إقراره والتأخير في تطبيقه".
وإذ لفتت إلى أن "مشروع القانون الذي وضعته الحكومة لا ينصف جميع الودائع"، قالت إن "التمويل وفقاً لمواده يقع على ثلاثة أطراف هي الخزينة العامة ومصرف لبنان والمصارف، وهو يقول بتحملها المسؤوليات والالتزامات، وهذا يعني أنّ الخزينة العامة تتحمل جزءاً من المسؤولية والدين، وبالتالي فإنّ الموازنات العامة للدولة ستتحمل الأعباء المتأتية عن تطبيق هذا القانون لسنوات مقبلة، خمس سنوات وعشر وأكثر، وأهمها سد عجز مصرف لبنان عملاً بالمادة 113 من قانون النقد والتسليف التي تفيد بأنّ الدولة اللبنانية مسؤولة بالمال عن الخسارة التي يحققها مصرف لبنان، فإذا كانت نتيجة سنة مصرف لبنان المالية عجزاً، يتوجب على الدولة تغطيتها من الخزينة العامة في حال غياب أو عدم كفاية الاحتياط العام". وقالت إن "قانون الفجوة يوزع الأعباء على الجميع بمن فيهم المصارف، ولكن أيضاً على اللبنانيين من خلال الضرائب لتعويض خسارات القطاع المصرفي لا سيما لكبار المودعين".
وختمت د. التيني بالقول إن" هذا القانون يعترف بأن كل سيولة مصرف لبنان وكل موجودات المصارف لا تكفي لتسديد الودائع، لذلك هناك مساهمة من الدولة، لكنّ القانون لا يحدد مقدار هذه المساهمة بالأرقام لرد ال 100 ألف دولار خلال أربع سنوات".
وأبعد من إعادة الودائع لأصحابها وكيفية ردها ووفق أي جدول زمني، ثمة من يطرح أسئلة لا تقل أهمية وهي ما إذا كانت الودائع متى عادت ستعيد الثقة بالقطاع المصرفي، فيأتي من يودع فيه من جديد أموالاً يحتاجها الاقتصاد في مسار التعافي والاستثمار، أم أن هذه الودائع ولدى استعادتها ستتحول إلى الخارج لأن الثقة بالمصارف التجارية في لبنان انتهت إلى غير رجعة..

