ميرا عيسى- خاصّ الأفضل نيوز
في عام 1965، توقفت عجلات الترامواي القديم عن الدوران في شوارع بيروت، لتطوى معها صفحة ذهبية من تاريخ النقل العام في العاصمة، وتدخل المدينة في عقود طويلة من الفوضى المرورية والازدحام الخانق. اليوم، وبعد أكثر من ستين عاماً على ذلك الغياب، تستعد بيروت لإعادة كتابة التقاليد الحضرية يوم 15 آب 2026، من خلال إطلاق التجربة الميدانية الأولى لمشروع "LIRA X-TRAM" من قلب وسط العاصمة.
ويُعد هذا المشروع أول ترام كهربائي ذكي يُصنع بالكامل بأيدٍ محلية في لبنان والعالم العربي، ليقدم نموذجاً راقياً للابتكار المستدام. ولكن، أمام التحديات البنيوية واللوجستية الراهنة، هل يشكل هذا الابتكار المحلي بداية حقيقية لاستعادة النقل الحضاري في بيروت، أم أنه سيواجه عوائق البنية التحتية والتمويل؟
من الذاكرة البيروتية: رحلة الترامواي من 1908 إلى الغياب
افتُتح "ترامواي بيروت" رسمياً في نيسان/أبريل 1908 خلال أواخر عهد السلطنة العثمانية، ليشكل على مدى أكثر من خمسة عقود وسيلة النقل الجماعي الأساسية في العاصمة.
وخلال عصره الذهبي عام 1931، امتدت شبكته على مسافة 12 كيلومتراً عبر خمسة خطوط رئيسية ربطت قلب العاصمة بمناطق حيوية متفرقة، مثل خط (فرن الشباك - رأس بيروت - المنارة)، وخط (البسطة - الحرش)، وخط (الدورة) الذي طوره الفرنسيون لاحقاً ليصبح بالاتجاهين.
تنوعت قاطرات الترام بين نماذج كبيرة تتسع لخمسين راكباً بوزن سبعة أطنان، وأخرى وسطية تتسع لثلاثين راكباً بوزن أربعة أطنان، وكانت تتميز بتقسيم مقاعدها إلى قسمين منفصلين للسيدات والرجال.
توقف الترامواي نهائياً وتلاشت عجلاته من شوارع بيروت في أيلول/سبتمبر 1965، بعد أن جرى بيع كافة مركباته وقاطراته إلى الصين.
الكفاءة اللبنانية: بين القدرة والتجربة
تكمن الميزة الاستراتيجية لهذا الترام الكهربائي الذكي في قدرته على التشغيل فوق الطرقات القائمة بالفعل، مما يقلل بشكل كبير من تكاليف إنشاء شبكات النقل التقليدية ويوفر مرونة عالية في التنفيذ والمناورة داخل العاصمة، وإلى جانب دوره البيئي في التخفيف من حدة الازدحام الخانق وخفض الانبعاثات الكربونية، يحمل المشروع بعداً اقتصادياً فارقاً؛ إذ يعزز الصناعة اللبنانية الوطنية ويفتح الآفاق أمام خلق فرص عمل جديدة للكفاءات الشابة.
وفي هذا السياق، صرّح عضو مجلس بلدية بيروت المحامي محمد بالوظا لموقع "الأفضل نيوز" قائلاً إن هذا المشروع يشكل خطوة إيجابية لإعادة إحياء النقل العام في بيروت بعد غياب الترامواي لأكثر من ستين عاماً.
وبحسب ما أُعلن، فإن التجربة الأولى ستكون ضمن وسط بيروت وعلى مسار تجريبي يهدف إلى اختبار الجاهزية التقنية والتشغيلية قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة، وأشار إلى أنه بالنسبة لتوسيع المشروع، فإن أي نجاح للتجربة يجب أن يتبعه إعداد خطة نقل متكاملة تربط وسط العاصمة بمختلف أحيائها، بما يحقق خدمة فعلية للمواطنين ويخفف من الازدحام المروري.
معادلة النجاح: تمويل مستدام ورؤية شاملة
زار وفد من اللوبي الاقتصادي الدولي محافظ بيروت القاضي مروان عبود لبحث تفاصيل المشروع. وفي تصريح لـ "الأفضل نيوز"، أشار عبود إلى أن الترام هو صناعة محلية لبنانية، موضحاً أنه طلب من الوفد تقديم إفادة رسمية تؤكد مطابقته لمعايير السلامة العامة الدولية.
وأضاف عبود أنه يجب تقديم كل الدعم والتسهيلات اللازمة لإطلاق الترام في شوارع بيروت على سبيل التجربة.
كما أعرب المحافظ عن سعيه للتنسيق بين القائمين على المشروع ومصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، مؤكداً حرصه على تشجيع الشباب اللبناني على الابتكار.
وختم عبود بالتشديد على أهمية هذه التجربة وضرورة رعاية مثل هذه المبادرات، لما تحمل من فائدة محتملة للشباب، الصناعة الوطنية، حركة النقل، وسكان مدينة بيروت.
وفي السياق ذاته، رحّب المحامي محمد بالوظا بأي مبادرة لاستثمار النقل المستدام بشرط الشفافية والخضوع للقانون، مشدداً على أن النجاح يتطلب تمويلاً مستداماً، ورؤية واضحة، وتنظيماً علمياً للمرور يمنع الازدحام. وختم بأن تطوير النقل العام في بيروت أصبح ضرورة اقتصادية وبيئية واجتماعية ملحة لا تحتمل التأجيل.
في مسح غبار الذاكرة
الترامواي الجديد سيكون بارقة أمل للبنانيين، وبداية عصر جديد لبيروت؛ تلك المدينة التي توقفت أمجادها منذ سنوات لا تُعدّ، بين حروب ومجازر، ولغة طائفية وانقسام مجتمعي.
سيعود الترامواي ليذكّرنا بأمجادنا الماضية على ضفاف صخرة الروشة وبين زواريب بيروت العتيقة التي دفنّا فيها أحلامنا منذ الصغر عندما كنّا حالمين وكانت بيروت شاهدة على ذلك، فهل سيكون هذا الإنجاز بابًا للإصلاحات، أم أنه سيكون مجرد استرجاع للذكريات؟

