ربى فاعور – خاصّ الأفضل نيوز
"يستحيل أن تُبنى الأوطان من دون أمهات"... عبارة تختصر معركة حقوقية مستمرة منذ سنوات.
يتجدّد النقاش في لبنان حول منح المرأة اللبنانية حق نقل جنسيتها إلى أولادها، في ظل قانون ما يزال يحصر هذا الحق بالأب، وسط مطالبات بالمساواة وهواجس سياسية وديموغرافية ترتبط بالتوطين.
الجنسية... حقٌّ بوجوه متعددة
تعتمد الدول آليات مختلفة لاكتساب الجنسية؛ فبعضها يمنحها بالولادة على أراضيه، كما في كندا والولايات المتحدة، فيما تعتمد دول أخرى، بينها معظم الدول العربية، مبدأ رابطة الدم، فتُمنح الجنسية إذا كان أحد الوالدين يحمل جنسية الدولة، بغضّ النظر عن مكان الولادة، كما تتيح دول عديدة اكتساب الجنسية بالتجنّس بعد استيفاء شروط قانونية محددة.
استثناء لبناني...
يعتمد قانون الجنسية اللبناني الصادر عام 1925 مبدأ رابطة الدم، لكنه يحصر حق نقل الجنسية بالأب اللبناني، فيما تُحرم المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي من منح جنسيتها لأولادها، ما جعل هذه القضية موضع جدل حقوقي وسياسي منذ عقود.
القانون يميّز بين الأب والأم
في هذا السياق، أوضحت النائب عناية عز الدين أن قانون الجنسية يمنح الأب وحده حق نقل الجنسية إلى أولاده، معتبرة أن الدستور اللبناني يكفل المساواة بين اللبنانيين واللبنانيات، وأن القوانين يجب أن تنسجم مع المبادئ التي التزم بها لبنان في المواثيق الدولية.
ومن واقع متابعته لهذا الملف، يؤكد رئيس جمعية مصير لحقوق الإنسان وحملة "جنسيتي كرامتي" لموقعنا، مصطفى الشعار، أن الإشكالية في ملف منح المرأة اللبنانية حق نقل جنسيتها إلى أبنائها لا تكمن في النصوص القانونية، بل في طريقة التعاطي معها، لكن الدولة تتعامل معه بأسلوب سياسي وطائفي واستغلالي".
وأكد الشعار أن المادة السابعة من الدستور، التي تكرّس المساواة بين اللبنانيين أمام القانون، يفترض أن تشمل المرأة والرجل على حد سواء، مضيفًا أن "الأوطان لا تُبنى من دون أمهات"، وأن منح اللبنانية حق نقل جنسيتها إلى أبنائها يكرّس المواطنة والعدالة، وليس مجرد مطلب حقوقي.
وفي حديث خاص لموقع الأفضل نيوز، رأى مدير الأونروا السابق في منطقة لبنان الوسطى وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، محمد خالد، أن حرمان أبناء اللبنانية المتزوجة من فلسطيني من الحصول على الجنسية ينعكس سلبًا على مستقبلهم المهني، إذ يحرمهم من الانتساب إلى عدد من النقابات وممارسة بعض المهن، ما يدفع كثيرًا من أصحاب الكفاءات إلى الهجرة بحثًا عن فرص أفضل.
التوطين... العقدة الكبرى
لم يعد النقاش محصورًا بالمساواة بين الرجل والمرأة في منح الجنسية، بل ارتبط بهواجس سياسية وديموغرافية، ولا سيما في ما يتعلق بأبناء اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين وسوريين.
وفي هذا السياق، طُرحت اقتراحات لتعديل قانون الجنسية مع استثناء أبناء دول الجوار، وأوضح وزير الخارجية السابق جبران باسيل أن مشروع القانون الذي تقدّم به يمنح المرأة اللبنانية حق نقل جنسيتها إلى أولادها من أجنبي، باستثناء المتزوجات من مواطني دول الجوار، بهدف منع ما وصفه بالتوطين.
إلا أن الشعار رفض ربط حق أبناء اللبنانية بالجنسية بالتوطين، معتبرًا أن "هناك خلطًا بين مفهوم التوطين وحق أبناء الأم اللبنانية في الجنسية، فالتوطين يختلف قانونيًا عن منح المواطن اللبناني حق نقل جنسيته إلى أولاده"، مضيفًا أن استخدام هاجس التوطين في هذا الملف "هو تضخيم إعلامي وسياسي لا يستند إلى الواقع".
وخلال حديثي مع عضو المجلس الوطني الفلسطيني محمد خالد، بدا واضحًا أن هاجس التوطين يطغى، في نظره، على النقاش الدائر حول منح أبناء اللبنانية جنسيتها. ويرى أن بعض الخطابات السياسية والإعلامية تستغل وجود الفلسطينيين والانقسام الطائفي لتأجيج المخاوف المرتبطة بهذا الملف.
الفلسطيني... محور الخلاف
ارتبط الجدل حول منح الجنسية لأبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب، ولا سيما الفلسطينيين، بمخاوف تتعلق بالتوطين والتوازن الديموغرافي، إذ يرى معارضو تعديل القانون أن منح الجنسية في هذه الحالات قد يفتح الباب أمام إشكاليات سياسية وديموغرافية.
وفي حديث خاص لموقع الأفضل نيوز، رأى الكاتب الفلسطيني والباحث في علم الوجود الفلسفي، إسماعيل شعبان، أن منح المرأة اللبنانية حق نقل جنسيتها إلى أبنائها يجب أن يُنظر إليه من منظور المواطنة والمساواة، معتبرًا أن حرمانها من هذا الحق يعكس، برأيه، غياب الوعي بمفهوم المواطنة.
وأكد أن الحدود السياسية التي نشأت بعد اتفاقية سايكس – بيكو لا ينبغي أن تكون أساسًا للتمييز بين أبناء المنطقة، داعيًا إلى ترسيخ مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في حق نقل الجنسية.
ويتقاطع هذا الموقف مع ما يؤكد عليه الشعار، الذي يرى أن قضية أبناء اللبنانيات هي قضية مساواة بين المواطنين، ولا يجوز أن تبقى رهينة الهواجس السياسية.
الجنسية ليست بديلًا عن حق العودة
تبرز هذه المخاوف خصوصًا في ما يتعلق بالفلسطينيين، في ظل تمسّك لبنان بمبدأ رفض التوطين الوارد في مقدمة الدستور، وربط هذا الملف بحق العودة.
وأكد خالد، في حديث خاص لموقع الأفضل نيوز، أن الفلسطينيين في لبنان يطالبون بالحقوق المدنية أكثر من مطالبتهم بالجنسية، مشددًا على أن منح أبناء اللبنانية المتزوجة من فلسطيني جنسيتها لا يتعارض مع حق العودة،
واستشهد بأبناء الفلسطينيات المتزوجات من لبنانيين، الذين حصلوا على الجنسية اللبنانية عبر الأب، لكنهم حافظوا على هويتهم الفلسطينية، ما يؤكد، بحسب رأيه، أن اكتساب الجنسية لا يلغي الانتماء الوطني أو حق العودة.
وفي السياق نفسه، أشار شعبان، إلى أن أبناءه من أم لبنانية لا يحملون الجنسية اللبنانية، معربًا عن أسفه لهذا الواقع، ومعتبرًا أنه ينتقص من حقوقهم وانتمائهم. وشدد على أن منح أبناء اللبنانية جنسيتها لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه بديلًا عن أي حقوق وطنية أخرى، بل باعتباره حقًا مدنيًا وإنسانيًا مستقلًا يقوم على مبدأ المساواة.
"جنسيتي كرامتي"... معركة المساواة المستمرة
وبشأن مصير المشروع، أشار الشعار، في حديث خاص لموقع الأفضل نيوز، إلى أن القوانين المتعلقة بمنح المرأة اللبنانية حق نقل جنسيتها "ما تزال في أدراج مجلس النواب، ولم تُناقش بصورة قانونية أو إنسانية جادة"، معتبرًا أن الهواجس الطائفية والتوازنات الديموغرافية ما تزال العائق الأساسي أمام إقرارها.
وأضاف أن استمرار العمل بالقانون الحالي يحرم آلاف أبناء اللبنانيات من حقوق أساسية، من بينها الضمان الاجتماعي، وحرية العمل، والاستقرار الأسري، ما يدفع العديد من الكفاءات إلى الهجرة بدلًا من المساهمة في تنمية بلدهم.
وأكد الشعار، أن الحملة ستواصل تحركاتها إلى حين إقرار القانون، معتبرًا أن "حق أبناء الأم اللبنانية في الجنسية حق مقدس، وعاجلًا أم آجلًا سيُقر".
يبقى ملف منح اللبنانية جنسيتها لأولادها من أكثر القضايا الحقوقية تعقيدًا في لبنان، بين المطالبة بالمساواة والهواجس المرتبطة بالتوطين، فيما ما تزال القضية معلّقة بانتظار قرار يضع الحقوق فوق الحسابات السياسية.

