غدير عدنان نصر الدين - خاصّ الأفضل نيوز
لطالما نسج الجنوبيون قصص مواسمهم الزراعية متكئين على محاصيلهم التي يخرجون بها نهاية كل موسم، حيث باتت لكل موسم زراعي حكايته الخاصة.
لكن من المؤسف القول إنّ ما بعد الحرب الأخيرة ليس كما قبلها؛ فمع الأضرار الجسيمة التي لحقت بالأراضي الزراعية من جهة، والعجز عن الوصول إلى أراضٍ أخرى من جهة ثانية، فضلاً عن تراجع خصوبة التربة وصلاحيتها للزراعة، تسبّب ذلك كلّه في تلف جزءٍ كبير من محاصيل هذا العام.
واليوم، مع حلول موسم الزعتر في الجنوب وغيره من المواسم الزراعية، تراجعت كميات الإنتاج وانخفضت بشكل ملحوظ هذا العام، على الرغم من أنه يشكّل جزءاً أساسياً من قوام حياة العديد من المزارعين.
مما لا شكّ فيه أن تداعيات الحرب لا تُقاس فقط بما خسرته الأرض من أشجار ومحاصيل، بل تُقاس بشكل أساسي بالتغيرات التي طالت يوميات المزارع ونمط عمله؛ ففي الجنوب اللبناني، بات المزارعون يواجهون ظروفاً جديدة تُقيّد قدرتهم على العمل في أراضيهم، وبين أراضٍ أُتلِف محصولها وأخرى يصعب استثمارها في الوقت الراهن، اضطر الكثير من المزارعين إلى تغيير خططهم الزراعية، الأمر الذي سينعكس سلباً على مصدر رزقهم الأساسي.
وتبقى حالة الضياع عنصراً أساسياً يخيّم على حياة المزارع الجنوبي حالياً؛ بين تساؤلاتٍ عن كيفية تأمين رزقه هذا العام، وماذا لو لم تعد أراضيه صالحة للزراعة؟ وكيف سيتمكن من تأمين المستلزمات الزراعية في محاولة لإنقاذ وزراعة ما يمكن زراعته؟
بين موسم خسره المزارع، ومواسم تنتظر النجاة
في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز" مع المزارع الجنوبي "محمد" خلال جولةٍ ميدانية، أشار إلى أنّه خلف كل أرضٍ متضررة موسماً قد انقطع، وخلف كل محصولٍ أُتلف جراء الحرب تفاصيل قد تغيرت في العملية الزراعية، وكذلك في مسار حياته وحياة عائلته.
وأوضح محمد أنّ العملية الزراعية في السنوات العادية تسير وفق مسارٍ منتظم: من تحضيرٍ للأرض، وزراعةٍ، وعنايةٍ بالمحاصيل، وصولاً إلى موسم القطاف؛ إلا أن ما حدث هذا العام تسبّب في شلل هذه الدورة، حيث أصبح العديد من الأراضي الزراعية في الجنوب— ومن بينها أرضه— غير صالحة للزراعة بشكلٍ كامل في الوقت الراهن.
وخلال الحديث، استذكر محمد كيف كانت أرضه تُشكّل مصدر رزقه الوحيد قبل هذه الحرب، إذ كان يعتاش من زراعتها وبيع محاصيلها، بينما تشاركه زوجته في إعداد المونة البيتية وبيعها؛ غير أن الأوضاع الراهنة قلّصت قدرتهما على تحضير مختلف أنواع المونة، ليقتصر الأمر على ما أمكن إنقاذه من محاصيل أرضه.
وشدّد محمد على أنّ الأضرار الجسيمة التي لحقت بالأراضي الزراعية لا تتوقف آثارها عند حدود انتهاء الموسم الحالي، بل تتعداه لتلقي بظلالها على الموسم الذي يليه.
أما فيما يخص الأضرار والخسائر التي تكبّدها، فأشار إلى أنه لم يستطع الاستفادة هذا العام من موسم الزعتر سوى بشكّلٍ محدود جداً، لافتاً إلى أن كمية الزعتر التي سيتمكّن من بيعها هذه السنة تُعدّ أقل بكثير مقارنةً بالسنوات الماضية؛ فبين ما خسره من الإنتاج الزراعي وما أمكن إنقاذه، فقدَ محمد جزءاً كبيراً من دخله السنوي، وفق تعبيره.
وفيما يتعلّق بالمواسم الزراعية القادمة، أكد محمد أنه مع اقتراب موسم الزيتون تزداد تداعيات الحرب وضوحاً، لا سيما مع تضرّر مساحات واسعة من أراضيه، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تراجع مبيعات الزيتون وزيت الزيتون. وأضاف أن تضرّر هذا العدد الكبير من الأشجار لا يعني خسارة موسمٍ واحدٍ فحسب، بل ستنعكس آثاره على مواسم عدة قادمة، نظراً لما تحتاجه تلك الأشجار من وقتٍ لتستعيد عافيتها وإنتاجيتها.
في المحصلة، لسان حال محمد كلسان حال الكثير من المزارعين الجنوبيين، فبين موسم الزعتر وموسم الزيتون من المؤسف القول أن خسارة المزارعين في محصول واحد، يمكن أن تتحول إلى اضطراب في دورة الإنتاج الزراعي.
ويبقى هذا العام من أصعب الأعوام التي مرت على المزارع الجنوبي إذ وضعه أمام أسئلة عن القدرة على إعادة استثمار أراضيه بشكل يشبه الأعوام الماضية...

