ندى أندراوس _خاص الأفضل نيوز
فيما يعيد إغلاق مضيق هرمز رسم طرق نقل الطاقة، يجد لبنان نفسه أمام فرصة لا تقتصر على العائدات الاقتصادية، بل تلامس موقعه السياسي ووظيفته الإقليمية. فدخوله ضمن الممرات البديلة يعني انتقاله من بلد عالق في صراعات المنطقة إلى دولة يرتبط استقرارها بمصالح عربية ودولية مشتركة.
وبحسب المعلومات، يحظى إدخال لبنان في هذه الشبكة باهتمام عراقي وخليجي ودولي، ولا سيما أميركي. وقد أرسلت شركات من العراق وقطر والإمارات وفوداً استطلاعية إلى منشآت النفط في طرابلس، للاطلاع على قدراتها وإمكان استخدامها في التخزين والنقل والتصدير.
ولمواكبة هذا الاهتمام، كان تحرك وزير الطاقة والمياه جو الصدي، برفقة المعنيين الرسميين بالقطاع، باتجاه منشآت طرابلس وما تبقى فيها من خزانات. واطّلع على قدرات التخزين المتوافرة حالياً، والتي تصل إلى نحو 110 آلاف طن، وعلى الأعمال المطلوبة لإعادة تجهيزها.
ولا يقتصر الاهتمام الرسمي على وزارة الطاقة. فبحسب المعلومات، يولي رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون هذا الملف اهتماماً خاصاً، ويتابع تطوراته والاتصالات الجارية في شأنه مع الجهات العربية والدولية المعنية. وينطلق اهتمامه من اعتبار أن إدخال لبنان في شبكة الممرات الجديدة يشكل فرصة لاستعادة دوره الاقتصادي والسياسي، وجذب استثمارات خارجية، وإعادة تثبيت موقعه كصلة وصل بين المشرق والبحر المتوسط. وتكتسب متابعة الرئاسة أهمية إضافية، لأن المشروع يتجاوز الجانب التقني، ويتطلب قراراً سياسياً واتصالات على مستوى الدول لتأمين التمويل والضمانات والتفاهمات اللازمة.
وفي المعلومات أيضا، أن الرئيس كان تلقى اتصالات خارجية تحث لبنان على الإسراع في إنجاز أعمال التأهيل المطلوبة، بما يسمح بإدخال خط الأنابيب في الخدمة سريعاً كمرحلة أولى، ويفتح المجال أمام تطوير المشروع لاحقاً. وهذا الاهتمام الخارجي يدل على أن لبنان لا يتحرك منفرداً، بل أمام حاجة فعلية إلى منفذ إضافي يصل نفط العراق بالبحر المتوسط.
وتتضمن الخيارات المطروحة استقبال الصهاريج العراقية المحملة بالنفط الخام براً، بالتوازي مع العمل على تأهيل الأنابيب والمنشآت، قبل الانتقال إلى تشغيل مسار أكثر استدامة يربط العراق، مروراً بسوريا، بطرابلس.
لكن القيمة الأساسية للمشروع تكمن في أبعاده السياسية والاستراتيجية. فارتباط لبنان بخطوط الطاقة يحرّره تدريجياً من تبعات عزلته، ويبعده عن حصر موقعه ضمن اتجاه أو محور واحد. وعندما يصبح جزءاً من مصالح عراقية وخليجية وأميركية، يستعيد قدرته على بناء علاقاته على أساس الشراكة الاقتصادية، بدلاً من بقائه ساحة للصراعات والتجاذبات.
كما يعيد المشروع لبنان إلى وظيفته التاريخية كحلقة وصل بين المشرق والمتوسط. فطرابلس كانت محطة لتصدير النفط العراقي نحو أوروبا، والمرافئ اللبنانية شكّلت بوابة تجارية وخدماتية للمنطقة. إلا أن الحروب والانقسامات والانهيار أخرجت لبنان من هذه الخريطة لمصلحة مرافئ ومسارات منافسة.
مع ذلك، لا تكفي الاتصالات والزيارات. فلبنان ينافس طرقاً تمر عبر تركيا وسوريا والأردن، وأي تأخير قد يخرجه من السباق. المطلوب قرار حكومي سريع، وتمويل واضح، وتأهيل الخزانات والأنابيب والطرق والمرفأ، إلى جانب توفير الضمانات القانونية والأمنية للمستثمرين.
الرهان، إذاً، ليس على مرور النفط من طرابلس فقط، بل على أن يعبر لبنان نفسه من عزلة المحاور إلى شبكة المصالح الدولية. فالانضمام إلى الممرات الجديدة يعيده إلى الخريطة. أما التأخر، فقد يجعل هذه الخريطة تُرسم مرة أخرى من دونه.

