د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
صدّق أنك إذا كنت تعيش أصلاً في دولة أفريقية، وأردت زيارة أصدقاء أو متابعة عملك في دولة جارة قريبة، فعليك مغادرة القارة أولاً ثم العودة إليها من جديد.
وليس هذا فحسب، فقد تكون مجبراً على دفع أكثر من ألف دولار لرحلة لا تتجاوز مسافتها 500 ميل (805 كيلومترات)، والتنقل بين مطارات عدة قبل أن تصل إلى وجهة كان يُفترض أن تكون على بُعد رحلة قصيرة، قد يبدو الأمر غير منطقي، لكنه واقع يكشف واحدة من أغرب مفارقات السفر في أفريقيا.
المسافة قصيرة... والفاتورة ثقيلة!
عملياً، تبلغ المسافة بين داكار في السنغال وفريتاون في سيراليون نحو 500 ميل فقط، أي ذات المدى بين بيروت وبغداد، ومع ذلك قد تتجاوز كلفة رحلة الذهاب والإياب بين العاصمتين ألف دولار، مع محطات توقف عدة.
لكن مهلاً، المشكلة ليست في المسافات ولا في كلفة التحليق فوق أفريقيا، القصة الحقيقية تبدأ على الأرض لا في السماء. إذ إن هناك اتفاقيات ثنائية تقيد تشغيل خطوط كثيرة، والأغرب أنها تسمح لشركة واحدة فقط بخدمة مسار معين، زد على ذلك، أن بعض الدول تمنع شركات أجنبية من تشغيل خطوط داخلية لا تشغلها شركاتها المحلية أصلاً.
ومن هنا، ليس مستغرباً أن يتم خُمس حركة السفر الجوي الأفريقية فقط داخل القارة، وتبعاً لذلك، قد يضطر مسافر من القاهرة في مصر إلى جوهانسبرغ (أكبر مدن جنوب أفريقيا) إلى المرور بدبي في الإمارات، أي الخروج من أفريقيا ثم العودة إليها.
واللافت أن الطلب على السفر الجوي الأفريقي يُتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2040، فيما القيود تمنع العرض من مواكبته.
في الواقع، تتعامل حكومات أفريقية عدة مع الطبقة الوسطى المتنامية من المسافرين باعتبارها مصدراً للإيرادات؛ إذ يمكن أن تصل الضرائب والرسوم المفروضة على السفر الجوي إلى أكثر من ثلث سعر التذكرة، أي نحو ضعف مستوياتها في الشرق الأوسط الأكثر ثراءً،
إلى جانب ذلك، تفرض بعض الحكومات رسوماً إضافية على شركات الطيران الأجنبية، بينما تنفق أخرى أموالاً ضخمة لإبقاء شركات وطنية متعثرة، وحتى مفلسة، في الخدمة، وهنا المفارقة: الدولة تحمي الشركة من المنافسة، ثم تنقذها عندما تخسر، فيما يدفع المسافر الثمن من جيبه.
تحرير الطيران في أفريقيا... حبر على ورق
ضع في اعتبارك أن الحل موجود أمام القادة الأفارقة منذ عقود؛ ففي 1999، اتفقت أكثر من 40 دولة على إزالة القيود وتوحيد قواعد الطيران، ثم عادت في 2018 وأطلقت مشروع السوق الأفريقية الموحدة للنقل الجوي.
في المقابل، أثبت تحرير الطيران في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن زيادة المنافسة يمكن أن تعني رحلات أكثر وأسعاراً أقل، وظهرت نتائج مشابهة على بعض الخطوط الأفريقية، لكن دولاً أفريقية وقعت اتفاقات التحرير، ثم بقيت عملياً متمسكة بسياساتها الحمائية.
في المحصلة:
أفريقيا لا تفتقر إلى المسافرين ولا إلى الطلب ولا حتى إلى الاتفاقات، بل إلى سماء مفتوحة فعلاً، وبينما تتحدث القارة عن إزالة الحدود أمام التجارة والاستثمار، تبقى واحدة من أغرب مفارقاتها معلقة فوق رؤوس سكانها: قد يكون الوصول إلى دولة أفريقية قريبة أصعب وأغلى من مغادرة أفريقيا نفسها.

