طارق ترشيشي -خاصّ الأفضل نيوز
لم تعد سوريا مجرد ساحة لتقاطع النفوذ الإقليمي والدولي، بل باتت ميداناً لنزاع آخذ في التبلور بين تركيا وإسرائيل حول شكل سوريا الجديدة وحدود قوتها العسكرية ومستقبل نفوذ كل منهما فيها.
وما جرى أخيراً في قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب كشف أن هذا التنافس انتقل من السياسة إلى اختبار ميداني بالغ الحساسية؛ فالقصف الإسرائيلي للقاعدة، الذي جاء بذريعة منع تمكين تركيا لسوريا من امتلاك قدرات دفاع جوي قد تحد من حرية حركة الطيران الإسرائيلي، لم يكن في جوهره مجرد عملية عسكرية ضد موقع سوري، لقد حمل رسالة واضحة إلى أنقرة مفادها أن إسرائيل لن تقبل بقيام بنية عسكرية سورية أو تركية داخل سوريا تستطيع تغيير ميزان التفوق الجوي الذي تتمتع به.
لكن المفارقة أن التصعيد العسكري تزامن مع تحرك سياسي وأمني؛ فقد جرت اتصالات بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد، ثم لقاء سوري ـ إسرائيلي برعاية الموفد الأميركي توم براك في الأردن، بالتوازي مع تحرك أميركي لإنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
وهنا تكمن دلالة التطورات؛ فنحن أمام تفاوض تحت سقف القوة: إسرائيل تستخدم القوة لتثبيت خطوطها الحمر، وتركيا تسعى إلى تثبيت نفوذها ودورها في إعادة بناء الجيش السوري، ودمشق تحاول استعادة سيادتها، فيما تعمل واشنطن على منع تحول التنافس إلى مواجهة مباشرة بين قوتين إقليميتين،
المشكلة الأساسية، بحسب أوساط ديبلوماسية، ليست قاعدة أبو الظهور الجوية في حد ذاتها، وإنما السؤال الأوسع: أي جيش سوري يُسمح لسوريا الجديدة بأن تبني؟ تركيا تريد سوريا موحدة وقادرة على حماية نفسها، وتريد أن يكون لها دور أساسي في إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية. أما إسرائيل فتريد سوريا مستقرة، لكنها ضعيفة عسكرياً بما لا يسمح بقيام تهديد جديد، وخصوصاً تهديد دفاع جوي يحد من حرية الطيران الإسرائيلي.
ومن هنا، فإن الحديث عن "آلية منع الاحتكاك" بين أنقرة وتل أبيب قد يكون مقدمة لرسم قواعد اشتباك غير معلنة في سوريا: أين تنتشر القوات التركية؟ ما نوع الأسلحة التي يمكن لسوريا امتلاكها؟ أين تستطيع إسرائيل تنفيذ عملياتها؟ وكيف يتم منع الطائرات والقوات من الاصطدام؟
ولا يبدو أن تركيا أو إسرائيل تريدان في الوقت الراهن حرباً مباشرة، الأرجح هو السعي إلى تفاهم اضطراري ينظم التنافس ولا ينهيه، لكن الخطر يكمن في أن تتجاوز الوقائع الميدانية قدرة الديبلوماسية على احتوائها.
وما يجري في سوريا يعني لبنان مباشرة، لأن الحدود السورية ـ اللبنانية، ومستقبل سلاح حزب الله، وطرق الإمداد، ومستقبل الدور الإيراني، كلها تتأثر بمستقبل الدولة السورية، فإذا نجحت دمشق في بناء دولة مركزية وجيش قادر وضبط حدودها، وإذا نجحت واشنطن في تنظيم التنافس التركي ـ الإسرائيلي، فقد يكون ذلك عاملاً مساعداً على استقرار لبنان وعلى دفع مسألة حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم نحو معالجة أكثر جدية.
أما إذا تحولت سوريا إلى ساحة نزاع مفتوح بين أنقرة وتل أبيب، فإن الحدود السورية ـ اللبنانية قد تستعيد دورها كساحة رخوة للنزاع الإقليمي، بما يعقد أكثر ملف حزب الله ويزيد احتمالات انتقال التصعيد إلى لبنان.
وهنا تبرز مفارقة شديدة الأهمية: ما تحاول الولايات المتحدة فعله في سوريا عبر إنشاء آلية لمنع الاحتكاك قد يصبح نموذجاً لما سيجري في لبنان؛ أي الانتقال من البحث عن تسوية نهائية إلى إدارة النزاع عبر خطوط حمر وقنوات اتصال وترتيبات أمنية مرحلية. لكن لبنان لا يستطيع أن ينتظر نتائج النزاع التركي ـ الإسرائيلي من دون أن يكون معنياً بها؛ فاستقرار سوريا وضبط حدودها مصلحة لبنانية مباشرة، كما أن أي تفاهم إقليمي جديد حول السلاح والانتشار العسكري وحرية الحركة الإسرائيلية ستكون له انعكاسات على الجنوب اللبناني.
وفي أي حال فإن ما جرى في أبو الظهور قد يكون بداية مرحلة جديدة في المشرق: مرحلة التنافس على سوريا لا النزاع عليها فقط، والسؤال لم يعد من يسيطر على دمشق، بل: من يحدد سقف القوة السورية، ومن يرسم حدود النفوذ التركي، ومن يضمن لإسرائيل أمنها وحرية عملها، ومن يحمي في المقابل سيادة سوريا؟
إذا نجحت واشنطن في تحويل هذا التنافس تفاهماً على قواعد اشتباك، فقد تتجه المنطقة نحو إدارة النزاعات بدلاً من تفجيرها، وقد يستفيد لبنان من ذلك. أما إذا فشل هذا المسعى، فإن سوريا قد تصبح ساحة مواجهة تركية ـ إسرائيلية غير مباشرة، وسيكون لبنان، بحكم موقعه وهشاشة وضعه الداخلي، من أول من يدفع ثمنها. ولهذا فإن ما يجري فوق سماء أبو الظهور لا يخص سوريا وحدها، إنه اختبار مبكر لشكل المشرق الذي سيولد بعد سنوات الحروب، ولحدود الدور الذي ستبقى قادرةً على لعبه كل من تركيا وإسرائيل وإيران والولايات المتحدة، وللموقع الذي سيُبقي لبنان في هذه الخريطة الجديدة.

