محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
أثارت الطريقة التي وصلت إليها المواجهة حول تلة علي الطاهر أسئلة كثيرة، فلم يعد النقاش متعلقاً فقط بما إذا كانت إسرائيل قد سيطرت على التلة أو على أجزاء من منشآتها، بل بما إذا كان ما جرى نتيجة عسكرية بحتة، أم أن خلف المشهد تفاهمات أوسع سمحت بالوصول إلى هذه النتيجة من دون المعركة التي كان يُفترض أن ترافق محاولة إسرائيل السيطرة على التلة.
الكل يسأل، هل كانت هناك صفقة؟ وهل يمكن أن يكون ما حصل نتيجة تفاهم ضمني، مباشر أو غير مباشر، تقاطعت عنده مصالح أطراف تمتد من واشنطن إلى طهران، مروراً بحزب الله وإسرائيل، وربما من دون أن تكون هناك بالضرورة طاولة واحدة أو اتفاق مكتوب يجمع الجميع؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، خصوصاً أن الإعلان الإسرائيلي عن تحقيق "السيطرة العملياتية" على تلة علي الطاهر جاء بعد نحو شهر من بدء مفاوضات جدية حول مصير التلة، بالتوازي مع حركة أميركية لافتة بين لبنان وإسرائيل، وفي ظل موقف أميركي واضح برفض الذهاب نحو توسيع الحرب، يضاف إلى ذلك أن المرحلة التي سبقت الإعلان الإسرائيلي شهدت خروج مجموعات من المقاومين من التلة، قبل أن تقول إسرائيل لاحقاً إنها لم تجد مسلحين داخل المواقع التي وصلت إليها، كما لم تعلن العثور على إيرانيين، بالتوازي مع تسلمها رفات جندي إسرائيلي قديم. وهذه الوقائع، كل واحدة منها منفردة، لا تثبت وجود صفقة، لكنها مجتمعة تفسر لماذا أصبح السؤال عنها مشروعاً، وخصوصاً أن السيناريو الذي كان متوقعاً في حال قررت إسرائيل حسم ملف علي الطاهر عسكرياً كان مختلفاً تماماً.
طوال الفترة الماضية جرى التعامل مع التلة باعتبارها عنوان العودة للحرب، وكان الحديث يدور حول صعوبة السيطرة عليها وحجم المنشآت الموجودة فيها، وإمكان أن تتحول محاولة اقتحامها إلى معركة واسعة ومكلفة. إلا أن النهاية التي أعلنتها إسرائيل لم تأتِ بهذه الصورة، إذ كان الإعلان الإسرائيلي نفسه حذراً، فلم يتحدث عن السيطرة على كامل التلة أو كل منشآتها، بل عن "سيطرة عملياتية" والوصول إلى مسارب ومنشآت محددة، والأهم أن كل ذلك حصل من دون المعركة الكبيرة التي كان يُفترض أن ترافق محاولة السيطرة عليها.
لكن هل تكفي هذه المعطيات للقول إن صفقة حصلت بالفعل؟
الجواب حتى الآن هو كلا، لأن وجود تفاهم من هذا النوع، إذا كان قد حصل أصلاً، لن يُعلن بالضرورة في بيان رسمي، كما أن غياب المعركة لا يعني حكماً وجود اتفاق مسبق، فقد تكون هناك أسباب ميدانية وعسكرية أخرى تفسر ما جرى.
إذا اتجهت إسرائيل، ولو بعد الانتخابات، إلى إعادة التموضع خلف الخط الأصفر، أو أعادت إدخال زوطر وكفرتبنيت وتلة علي الطاهر والمنطقة المحيطة بها ضمن مسار المناطق التجريبية، وبدأت بالتراجع عن بعض المواقع التي تقدمت إليها واوقفت سعيها البري والتقدم، فعندها ستصبح فرضية أن ما جرى في التلة كان جزءاً من تفاهم أوسع أكثر جدية. إذ سيكون من الممكن عندها قراءة السيطرة العملياتية الإسرائيلية وربما التفجير، باعتبارها نهاية مرحلة عسكرية سمحت لكل طرف بتحقيق جزء مما يريده، قبل الانتقال إلى ترتيب جديد على الأرض.
أما إذا حصل العكس، وتحولت تلة علي الطاهر إلى نقطة انطلاق إسرائيلية نحو مزيد من الضغط والتوسع، وانتقل الخطاب الإسرائيلي من التلة إلى تلال ومواقع أخرى في إقليم التفاح وجبل الريحان، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية أو تصعيدها، فعندها يصبح من الصعب الحديث عن صفقة، وعندها سيكون ما حصل نتيجة الميزان العسكري المتقدم لإسرائيل وعدم قدرة المقاومة على اتخاذ اجراءات قد تعيد توسيع الحرب بلا أفق أو هدف، ورغبة ايران بعدم توسيع المعركة مع إسرائيل ايضا في هذه المرحلة.
من هنا، فإن أهمية ما جرى في علي الطاهر لا تكمن فقط في معرفة كيف دخل الإسرائيلي، وماذا وجد، وأين وصل، بل في معرفة ما الذي سيفعله بعد ذلك، لأن الخطوة التالية ستكشف طبيعة الخطوة السابقة.

