ترجمة - الأفضل نيوز
كشفت صحيفة "آي" البريطانية عن تفاصيل التحول اللافت في سياسة لندن تجاه الاحتلال الإسرائيلي، وصولًا إلى فرض عقوبات على المستوطنات في الضفة الغربية، مشيرةً إلى أن الخطوة جاءت بعد ستة أسابيع من الاتصالات والإعداد المكثف، وبالتزامن مع موقف أميركي أكثر تحفظًا تجاه حكومة بنيامين نتنياهو، ودور غير معلن للسيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترامب في تشكيل موقف دونالد ترامب من قضية المستوطنات ومعاناة الفلسطينيين.
وفي تصعيد غير مسبوق في لهجتها، اتهمت بريطانيا الاحتلال الإسرائيلي بغض الطرف عن "التطهير العرقي" للفلسطينيين على يد المستوطنين، ووصفت ممارساتهم بـ"الإرهاب"، في تحول يعكس ابتعاد حكومة رئيس الوزراء آندي بورنهام عن النهج الذي اتبعته حكومة كير ستارمر تجاه الاحتلال.
ولم تكن مخاوف لندن من رد فعل واشنطن في غير محلها؛ فقد قال السفير الأميركي لدى الاحتلال الإسرائيلي، مايك هاكابي، لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، إن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لفرض "عقوبات أو إجراءات أو ردود انتقامية" ضد بريطانيا، رغم أنه لم يتمكن من تحديد طبيعتها، ولم يكن قد تحدث مع ترامب.
وحذر عضو الكونغرس راندي فاين لاحقًا من أن الخطوة البريطانية قد تؤدي إلى مقاطعة رسمية من ولاية فلوريدا، التي لديها قوانين عقابية ضد الشركات التي تقاطع "إسرائيل".
لكن اتضح أن هاكابي كان يتحدث من تلقاء نفسه، إذ نأى البيت الأبيض بنفسه عن تصريحاته، حيث كان وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر تحفظًا بكثير. وقال روبيو الثلاثاء: "من الواضح أننا لن نفعل ما فعلته المملكة المتحدة. رأينا إعلانهم اليوم، لكن ليست لدي أي تعليقات عليه في الوقت الحالي".
وبحلول الأربعاء، تحدث ترامب بنفسه عن الأمر، قائلًا للصحفيين: "لقد رأيت ذلك للتو، وسأتحدث مع إسرائيل... أفهم تمامًا ما يحدث، لكنني أريد أن أعرف لماذا يحدث ذلك فجأة".
وقال مصدر في واشنطن إن الإدارة الأميركية أُتيحت لها فرص عدة للتفاعل مع الضغوط الإعلامية وإظهار غضبها، لكنها قررت عدم القيام بذلك.
ويُعد امتناع ترامب عن إدانة بريطانيا أحدث مؤشر على توتر علاقته مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، بعد خلافات سابقة بشأن الاستراتيجيات المتعلقة بالحرب مع إيران ومسار السلام في غزة.
كما انتقدت الولايات المتحدة عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وأبلغت الاحتلال الإسرائيلي بأنه لا ينبغي له ضم الأراضي المحتلة رسميًا، لأن مثل هذه الخطوة من شأنها إبعاد حلفاء واشنطن العرب والمسلمين في المنطقة، الذين يشاركون أيضًا في الوساطة بشأن غزة، ويحتاج ترامب إلى دعمهم للضغط على حماس.
ولعل الدور الأقل ملاحظة هو دور ميلانيا ترامب، التي زارت قبل عقد، برفقة سارة نتنياهو، أطفالًا في مستشفى هداسا بالقدس، فيما أصبحت معاناة الأطفال والشبان في غزة اليوم موضع اهتمام السيدة الأولى.
وقال مصدر دبلوماسي إن ترامب "لا يحب المستوطنات الإسرائيلية"، مشيرًا إلى أنه تلقى إحاطة من ميلانيا والمبعوث الأميركي الخاص للسلام جاريد كوشنر بشأن المستوطنات، مضيفًا: "عندما يتعلق الأمر بمعاناة الأطفال، فإنها تتدخل".
وقال مسؤولون إن واشنطن تشارك لندن مخاوفها بشأن الضفة الغربية، رغم رفضها نظام العقوبات. وكان بورنهام قد تحدث مع ترامب الاثنين، دون أن يعترض الأخير على العقوبات أو يطلب تغيير المسار.
ومع تولي حزب العمال السلطة عام 2024، بدأت العلاقات البريطانية مع الاحتلال الإسرائيلي بالتدهور، خصوصًا بعد فرض حظر جزئي على تصدير الأسلحة. ومع تولي إيد ميليباند وزارة الخارجية، بدأ العمل على "إعادة ضبط" السياسة البريطانية، في ظل الغضب من الحرب على غزة وتطرف المستوطنين في الضفة الغربية، والتأكيد على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
واجه كير ستارمر منذ الأسابيع الأولى للحرب على غزة انتقادات بسبب عدم دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار، وقوله إن "إسرائيل" تملك "الحق" في قطع الكهرباء والمياه عن غزة. ولم يتعافَ سياسيًّا من ذلك الموقف، إذ اعتبره البعض مؤيدًا لحماس، بينما رأى فيه بريطانيون مؤيدًا أكثر من اللازم للاحتلال الإسرائيلي. وحتى اعترافه بدولة فلسطين وفرض عقوبات على وزيرين إسرائيليين لم يكونا كافيين لإرضاء المطالب داخل حزب العمال.
وفي المقابل، تبنى آندي بورنهام موقفًا أكثر انسجامًا مع المزاج داخل الحزب، وقال قبل توليه رئاسة الوزراء: "أدى رد حزب العمال الأولي على معاملة غزة إلى ألم كبير. لقد أخطأنا وأنا آسف لذلك". وأراد بورنهام وميليباند القطيعة مع لهجة ستارمر المراوغة والمترددة، فيما كان على ميليباند تقديم مبررات قوية للعقوبات.
وبالاستعانة بخبراء، ركز ميليباند على جمع أدلة قاطعة تبرر استخدام مصطلحات مثل "التطهير العرقي" و"جرائم الحرب"، وشارك حتى خلال عطلته في إسبانيا في اجتماعات عن بُعد لمتابعة إعداد الملف.
وفي الأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر، اجتمع بورنهام وميليباند وخلصا إلى أن العتبة اللازمة لفرض العقوبات قد تجاوزت، ليبدأ تنفيذ الخطة. وبالتوازي مع إعداد ملف قانوني متين، نسّق ميليباند مع نظيريه الفرنسي والكندي، واتفقوا على اتباع نهج منسق لزيادة تأثير الخطوة.
ورغم رغبة فرنسا في إعلان العقوبات خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر أيلول/سبتمبر، خشيت لندن ضيق الوقت قبل عطلة البرلمان، مع الحرص على عدم تزامنها مع عيد "روش هاشناه".
ووصف كبير حاخامات بريطانيا إفرايم ميرفيس القرار بأنه "يوم مظلم لليهود البريطانيين"، فيما لم يتخذ حاخامات آخرون الموقف نفسه. ورد ميليباند بأنه "يهودي بريطاني فخور". وفي المقابل، رحب معظم نواب حزب العمال بالخطوة، بينما رد الاحتلال الإسرائيلي بغضب، وهدد نتنياهو بإغلاق البعثة البريطانية وسحب العسكريين البريطانيين ومنع نواب بريطانيين من دخول الأراضي المحتلة.
وبينما أعلنت كندا وفرنسا خطواتهما، انضمت 11 دولة أخرى، معظمها أوروبية، إلى حظر التجارة المرتبطة بالمستوطنات. لكن الأنظار البريطانية اتجهت إلى واشنطن، خصوصًا مع تزامن الخطوة مع استياء ترامب من نتنياهو. واعتبر مسؤولون أن التطورات قد تمهد لاجتماع ترامب وبورنهام، رغم جمود العلاقات مع حكومة نتنياهو واستبعاد أي انفراجة قريبة.

