إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
من يكاترينبرغ، عاصمة جبال الأورال، والمدينة التي تلتقي فيها آسيا بأوروبا، اختار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن يرفع سقف رسالته السياسية أمام شباب يمثلون 191 دولة، في واحدة من أكثر جلسات مهرجان الشباب الدولي 2026 حضوراً ودلالة.
لم تكن ساعة لافروف على المنبر مجرد كلمة دبلوماسية، بل بدت أقرب إلى عرض مكثف لمفردات السياسة الخارجية الروسية: لا تراجع عن الحلفاء، لا قبول بمحاولات عزل موسكو، ولا تخلي عن مشروع تعدد الأقطاب الذي ترى روسيا أن «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون يشكلان إحدى أبرز أدواته. وقد أكد لافروف أن مراكز جديدة للقوة الاقتصادية والسياسية باتت تتشكل في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وأن النظام الدولي لم يعد قابلاً للاختزال في مركز واحد.
لكن أكثر ما أثار الانتباه كان حديثه عن أوروبا، قال لافروف إن روسيا لا تخطط لمهاجمة أوروبا، وإن موسكو لا ترى مصلحة في ذلك، لكنه حذّر من أن أي هجوم أوروبي على روسيا سيؤدي إلى «حرب مختلفة تماماً» ستكون «قصيرة جداً»، معرباً عن أمله في أن تُسمع هذه الرسالة في العواصم الأوروبية.
وفي خلفية هذا التصعيد اللفظي، قدّم لافروف تفسير موسكو للأزمة الأوروبية: صراع على الأمن والنفوذ ومستقبل النظام الدولي، وليس مجرد مواجهة عسكرية محصورة بالساحة الأوكرانية. وفي المقابل، شدد على أن روسيا لا تغلق باب التفاوض، وأن الحوار مع الولايات المتحدة يبقى ممكناً متى توافرت الإرادة السياسية.
اللافت في خطاب يكاترينبرغ أن لافروف لم يحصر رسالته في الحرب، فقد تحدث عن عالم جديد تتراجع فيه قدرة القوى الكبرى على فرض قواعدها منفردة، وعن ضرورة بناء علاقات دولية تقوم على احترام السيادة والمصالح الوطنية، وعلى إنشاء ترتيبات اقتصادية وأمنية أوسع في الفضاء الأوراسي. وطرح مجدداً فكرة «الشراكة الأوراسية الكبرى» وبناء جسور بين مختلف مناطق العالم.
ومن هنا اكتسب المكان رمزيته؛ فالمهرجان الذي تستضيفه يكاترينبرغ بين 11 و17 أيلول، يجمع نحو عشرة آلاف شاب وقائد شاب من 191 دولة، ما جعل منصة لافروف مختلفة عن المؤتمرات الدبلوماسية التقليدية: الرسالة لم تكن موجهة فقط إلى الحكومات، بل إلى جيل يرى العالم من خارج خرائط الحرب الباردة القديمة.
ولافروف، في هذه الجلسة، لم يتحدث عن روسيا باعتبارها دولة تبحث عن موقع داخل نظام قائم، بل باعتبارها طرفاً يريد المشاركة في صياغة نظام جديد. وفي هذا السياق، حضرت «بريكس» و«شنغهاي» والتعاون الأوراسي كأدوات سياسية واقتصادية تتجاوز الحسابات الأوروبية التقليدية.
أما الرسالة الأعمق فكانت أن موسكو، وفق رؤيتها المعلنة، لا تريد عالماً تديره لغة الأسواق والعقوبات وحدها. العالم بالنسبة إلى لافروف هو تاريخ وحضارات وشعوب وذاكرة ومصالح، وهو قبل كل شيء مستقبل يجب أن تتشارك في صياغته مراكز متعددة.
ومن يكاترينبرغ، المدينة الواقعة على الخط الفاصل بين قارتين، بدا أن موسكو أرادت أن تقول إن الخط الفاصل الحقيقي في العالم لم يعد جغرافياً بين الشرق والغرب، بل بين نظام دولي يتراجع ونظام آخر لم تكتمل ملامحه بعد.
وبينما كان آلاف الشباب من 191 دولة يصغون إلى وزير الخارجية الروسي، كانت الرسالة واضحة في مضمونها: روسيا تقول إنها مستعدة للتفاوض عندما تكون هناك إرادة للتفاوض، لكنها لا ترى في الحوار سبباً للتراجع عن تحالفاتها أو عن رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب. أما أوروبا، فقد تلقت تحذيراً مباشراً بأن أي انتقال من التوتر السياسي إلى مواجهة عسكرية مع روسيا ستكون له، بحسب لافروف، نتائج سريعة وخطيرة.
في يكاترينبرغ، لم يكن لافروف يقرأ فقط دفتر السياسة الروسية؛ كان يحاول، أمام جيل جديد من العالم، أن يكتب معه صفحة جديدة من دفتر النظام الدولي.

