كريستال النوّار - خاصّ "الأفضل نيوز"
حذّر علماء من أن تباطؤ أحد أهم أنظمة التيارات المحيطية في العالم قد يهدد إنتاج الغذاء ويرفع أسعاره عالمياً، في حال وصل النظام إلى نقطة انهيار بفعل التغيّر المناخي. ويُعرف هذا النظام باسم الدورة الانقلابية الميريديونية للمحيط الأطلسي (AMOC)، وهي شبكة من التيارات تنقل المياه الدافئة من المناطق الاستوائية نحو شمال الأطلسي وأوروبا، ويُعد تيار الخليج جزءاً منها.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، يخشى العلماء من أن يؤدي ضعف هذا النظام إلى تبريد مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي وتغيير أنماط هطول الأمطار، بما ينعكس مباشرة على الزراعة في مناطق عدة من العالم. وفي دراسة جديدة منشورة بصيغة أولية ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران، استخدم علماء من منظمة التحالف لإطعام الأرض أثناء الكوارث (ALLFED) نماذج لمحاكاة تداعيات انهيار AMOC على النظام الزراعي والغذائي خلال فترة تمتد مئة عام.
وأظهرت الدراسة انخفاضاً هيكلياً متوقعاً بنسبة 5.3% في الإنتاج العالمي من القمح والذرة والأرز، مع تفاوت كبير بين المناطق، إذ قد تصل الخسائر في بعض مراكز الإنتاج والتصدير في نصف الكرة الشمالي إلى ما بين 12 و19%. كما خلص النموذج الاقتصادي إلى أن أسعار الحبوب العالمية قد ترتفع بما يصل إلى 40% في حال تجاوزت سرعة الصدمة المناخية قدرة الأسواق على التكيّف.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، إذ إن تراجع الإنتاج في مناطق رئيسية مصدّرة للحبوب يمكن أن ينتقل عبر التجارة الدولية إلى الأسواق المستوردة، بما يزيد الضغوط على الأمن الغذائي والأسعار. ولا تقتصر التداعيات المحتملة على كمية المحاصيل، بل تشمل أيضاً تغير درجات الحرارة وأنماط الأمطار، وهي عوامل قد تعيد رسم الخريطة الزراعية في عدد من المناطق.
أمام هذا الواقع، يحذّر الخبير الدولي في البيئة والمياه البروفسور جلال حلواني من أن تداعيات التغير المناخي وشح المياه لن تبقى محصورة في الجانب البيئي، بل ستطال بصورة مباشرة القطاع الزراعي والأمن الغذائي في لبنان ودول المنطقة والعالم.
ويوضح في حديث لموقع "الأفضل نيوز"، أنّ لبنان ودول حوض المتوسط قد تواجه تملّحاً متزايداً في الأراضي الساحلية نتيجة تسرب مياه البحر، بالتزامن مع ضغوط إضافية على المزارعين بسبب تغير أنماط هطول الأمطار وارتفاع كلفة الري، ما يزيد هشاشة القطاع الزراعي ويضاعف التحديات التي تواجه الأمن الغذائي.
ويشير إلى أنّ التأثيرات قد تمتد أيضاً إلى أميركا الشمالية وأوروبا، حيث يمكن أن يؤدي تغير الظروف المناخية إلى تراجع الإنتاجية الزراعية، بما ينعكس على أسواق السلع الأساسية، ولا سيما القمح والذرة والأرز. ويرى أن أي ارتفاع في أسعار هذه السلع سيكون أكثر وطأة على الدول ذات الدخل المحدود التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية، ما قد يفاقم مخاطر الأزمات الغذائية ويزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وفي مواجهة هذه المخاطر، يؤكد حلواني أن المطلوب هو الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى التخطيط المسبق لمواجهتها، عبر استراتيجيات دولية منسقة تشمل إنشاء أنظمة إنذار مبكر قادرة على رصد المخاطر المناخية، إلى جانب دعم الدول المستوردة ذات الدخل المحدود من خلال المؤسسات الدولية، وتأمين احتياجاتها الأساسية من الأسمدة والموارد اللازمة للحفاظ على قدرتها الإنتاجية.
أما بالنسبة إلى لبنان، فيرى حلواني أنّ التكيّف يبدأ من إدارة أكثر كفاءة للمياه، من خلال حصاد مياه الأمطار وإعادة استخدام المياه المعالجة في الري، إلى جانب توسيع استخدام أنظمة الري بالتنقيط والري الذكي وتحسين شبكات توزيع المياه للحد من الهدر. ويشدد في الوقت نفسه على ضرورة إعادة النظر في التركيبة الزراعية بما يتلاءم مع الواقع المناخي الجديد، عبر التوسع في المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، مثل الشعير والعدس والحمص، وتطوير أصناف أكثر قدرة على تحمل الجفاف والملوحة بالتعاون مع مراكز البحوث الزراعية، بما يساعد على تنويع الإنتاج وتقليل الاعتماد على استيراد الحبوب.
ويعتبر أن نجاح هذه الإجراءات يرتبط أيضاً بقدرة المزارعين على تحمل كلفتها، ولذلك يدعو إلى تعزيز التعاونيات الزراعية لتقاسم تكاليف أنظمة الري والطاقة الشمسية، وتوفير برامج تمويل ميسّرة وصغيرة تساعد المزارعين على إدخال التقنيات الحديثة إلى مزارعهم، بالتوازي مع تدريبهم على أساليب الزراعة الذكية وإدارة المياه والموارد بكفاءة أكبر.
ولا يرى حلواني أنّ الحلول تقتصر على التقنيات الزراعية والمائية، بل تشمل أيضاً إجراءات طبيعية وبنية تحتية قادرة على الحد من المخاطر، خصوصاً في المناطق الساحلية. وفي هذا الإطار، يدعو إلى استصلاح الأراضي المتضررة والحد من آثار الملوحة، والاستثمار في الطاقة المتجددة لتشغيل محطات ضخ المياه وخفض كلفة التشغيل، إلى جانب إطلاق نظام وطني للإنذار المبكر بالجفاف والفيضانات، وتحديث شبكات المياه والسجل الزراعي الوطني بما يسمح بتوجيه الدعم بصورة أكثر دقة وتفادي الازدواجية.
كما يحذّر من أن عدم التحرك في وقت مبكر قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز القطاع الزراعي، بدءاً من ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتكرار الأزمات الغذائية، وصولاً إلى نزوح زراعي من الريف إلى المدن مع تراجع قدرة المزارعين على الاستمرار. كما يرى أن تصاعد الضغط على الموارد المائية قد يفتح الباب أمام توترات حول مصادر المياه المشتركة، بما يزيد من احتمالات النزاعات المرتبطة بها.
من هنا، يطرح ضرورة اعتماد خطة تكيّف زراعية لبنانية متكاملة تجمع بين الإجراءات العاجلة والحلول بعيدة المدى، وتربط إدارة المياه بسياسات الإنتاج الزراعي ودعم المزارعين والطاقة المتجددة والبحث العلمي والإنذار المبكر. كما يشدد على أهمية تطوير الشراكات مع المؤسسات الدولية والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأغذية والزراعة لتأمين التمويل والخبرات والدعم التقني اللازم لتنفيذ هذه الخطة.
أخيراً، لا يكمن التحدي فقط في مواجهة آثار التغيّر المناخي عندما تظهر، بل في الاستعداد لها قبل أن تتحوّل إلى أزمات يصعب احتواؤها. ومن خلال التخطيط المبكر وإدارة الموارد بصورة أكثر كفاءة وتطوير الزراعة لتصبح أكثر قدرة على تحمّل الجفاف والملوحة وتقلبات المناخ، يُمكن تعزيز صمود القطاع الزراعي اللبناني والحدّ من انعكاسات هذه التحوّلات على الأمن الغذائي والاقتصاد والمجتمع.

