طارق ترشيشي- خاصّ الأفضل نيوز
ثمة شيء يتغير بهدوء في العلاقة بين تركيا وإيران، ليس قطيعة، ولا مواجهة مباشرة، بل إعادة حسابات فرضتها الحرب والتحولات المتسارعة في الشرق الأوسط.
في الظاهر، ما زالت قنوات الاتصال بين أنقرة وطهران مفتوحة، الاتصالات بين وزيري الخارجية التركي حقّان فيدان والإيراني عباس عراقجي مستمرة، والنقاش يدور حول وقف التصعيد والمفاوضات وأمن الملاحة في مضيق هرمز، لكن خلف هذه اللغة الديبلوماسية، تتحرك كل عاصمة وفق حساباتها الخاصة.
تركيا لا تريد انهيار إيران، فالفوضى على حدودها ستكون عبئاً أمنياً واقتصادياً كبيراً، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تخرج طهران من الحرب أكثر قوة ونفوذاً مما كانت عليه، وهنا تكمن المعضلة التركية؛ فإيران جار لا تستطيع أنقرة الاستغناء عنه، لكنها في الوقت نفسه منافس إقليمي تتقاطع معه المصالح وتتصادم، وفي سوريا والعراق والقوقاز والخليج، لكل من البلدين حساباته ونقاط نفوذه، لذلك لا تبدو تركيا مستعدة لاختيار معسكر نهائي؛ فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتحافظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، لكنها في الوقت نفسه تبقي جسور التواصل مع إيران وروسيا، وتسعى إلى لعب دور مستقل في المنطقة.
غير أن هامش المناورة بدأ يضيق. ففي 18 أيلول الجاري ألغت تركيا ترخيص فرع بنك "ملّت" الإيراني في إسطنبول، في خطوة جاءت وسط تشدد دولي متزايد تجاه التعامل مع إيران، وفي المقابل، تظل إيران في حاجة إلى تركيا بصفتها بوابة تجارية إلى أوروبا وممراً برياً مهماً، خصوصاً في ظل الضغوط على طرق التجارة والملاحة، وهنا تتحول الحدود بين البلدين إلى أكثر من مجرد خط جغرافي، وتصبح ورقة اقتصادية وسياسية في النزاع الأوسع حول مستقبل إيران.
أما مضيق هرمز، فيمثل اختباراً آخر للعلاقة، إيران تراه ورقة استراتيجية في مواجهة خصومها، بينما تريد تركيا ضمان استمرار الملاحة لأن أي اضطراب طويل سيضرب التجارة والطاقة ويترك آثاراً مباشرة على الاقتصاد التركي، ولهذا تدفع أنقرة في اتجاه التفاوض واحتواء التصعيد،
وفي الخلفية، تقف إسرائيل، فتركيا تعارض بشدة سياسات الحكومة الإسرائيلية، بينما تنظر إسرائيل بقلق إلى تنامي الدور التركي في المنطقة، وفي الوقت نفسه، فإن إضعاف إيران قد يفتح أمام أنقرة مجالاً أوسع للحركة، لكنه قد يتيح أيضاً لإسرائيل والولايات المتحدة الاميركية إعادة ترتيب المنطقة بطريقة لا تتوافق بالضرورة مع المصالح التركية. ولهذا تبدو السياسة التركية أقرب إلى الإمساك بالعصا من الوسط: لا تريد انتصاراً إيرانياً يعيد لطهران نفوذها السابق، ولا تريد انهياراً إيرانياً يفتح الباب أمام فوضى أو أمام نفوذ إسرائيلي وأميركي أوسع، حتى التقارب التركي مع السعودية يكشف هذه البراغماتية؛ فأنقرة تطور تعاونها الأمني مع الرياض، في وقت تواصل الحوار مع طهران، وهذا يعني أن تركيا لا تتحرك داخل المحور الإيراني، حتى عندما تحافظ على قنواتها معه.
وفي النهاية، لا تبدو العلاقة التركية ـ الإيرانية متجهة إلى قطيعة، ما يجري هو شيء أكثر تعقيداً: شراكة تفرضها الجغرافيا والمصالح، وتنافس يفرضه نزاع النفوذ، كل طرف يحتاج الآخر، وكل طرف يخشى في الوقت نفسه أن يخرج الآخر من الحرب أقوى مما ينبغي، ولهذا فإن السؤال الحقيقي في أنقرة وطهران لم يعد فقط: ماذا يحدث بين تركيا وإيران؟ بل: كيف سيكون الشرق الأوسط بعد الحرب، ومن سيملك القدرة على رسم توازناته الجديدة؟
تركيا تريد أن تكون بين الذين يرسمون هذه الخريطة، لا بين الذين يكتفون بقراءة نتائجها، وهنا بالضبط تكمن حساسية العلاقة مع إيران: لا تحالف كامل، ولا خصومة كاملة، بل تفاوض دائم على النفوذ والمصالح وموقع كل دولة في الشرق الأوسط المقبل.

