طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
لم يحتج بنيامين نتنياهو إلى وقت طويل لكي يدرك أن المشهد أمامه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة لن يكون مريحاً؛ فقبل أن يبدأ الكلام، كانت القاعة نفسها تتكلم، وفود تغادر، احتجاجات في الخارج، وانقسام واضح حول رئيس حكومة إسرائيلي يصل إلى المنبر في لحظة باتت فيها الحرب في غزة واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام في العالم، لكنه لم يتعامل مع المشهد باعتباره عزلة، بل فعل العكس تماماً حيث أمسك بالصورة وقلب معناها.
الذين غادروا القاعة، في روايته الملفّقة، لم تكن مغادرتهم دليلاً على أن إسرائيل تفقد موقعها في العالم، بل دليل على أن خصومها لا يريدون سماع ما لديه، ومنذ تلك اللحظة، بدا أن خطابه لن يكون محاولة لمدّ الجسور، بل معركة جديدة على من يملك حق رواية الحرب.
كان نتنياهو يعرف جمهوره جيداً، تحدث إلى الإسرائيلي أولاً، وإلى الأميركي والغربي ثانياً، وإلى الإيراني والفلسطيني والعربي ثالثاً، وتحدث، في الوقت نفسه، إلى العالم كله من منصة الأمم المتحدة، لكن الرسالة التي أراد تثبيتها كانت واحدة تقريباً:"إسرائيل لا تخوض حرباً واحدة، وإنما معركة وجودية على جبهات متعددة، ولذلك لا يمكن مطالبتها بالتراجع أو التصرف كما لو أن الخطر قد انتهى".
عاد إلى عملية "طوفان الآقصى" في السابع من تشرين الأول 2023، إلى القتلى والرهائن والخوف الإسرائيلي، ثم انتقل إلى العمليات العسكرية التي أعقبت ذلك، وإلى الضربات التي وجهتها إسرائيل إلى كل من حركة "حماس" و"حزب الله" وإيران، وبذلك أعاد ترتيب المشهد، غزة لم تعد وحدها في مركز الصورة، أصبحت جبهة من جبهات، و"حماس" لم تعد الخصم الوحيد، دخل حزب الله وإيران وسواهما في المشهد ذاته.
إنها ليست مجرد طريقة في السرد، إنها محاولة لإعادة تعريف الحرب نفسها،
فإذا كانت غزة هي نقطة البداية، فإن إسرائيل تبدو في موقع الطرف الذي يخوض حرباً ضد تنظيم مسلح، أما إذا أصبحت غزة جزءاً من مواجهة إقليمية أوسع، فإن كل ضربة إسرائيلية يمكن تقديمها في اعتبارها حلقة في معركة أمنية كبرى.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في خطاب نتنياهو. فهو لا يطلب من العالم فقط أن "يتفهم" العمليات الإسرائيلية، بل يريد منه أن يتبنى الإطار الذي يفسرها: "إسرائيل تضرب لأنها مهددة، لا لأنها تختار الحرب"، وهذا الفارق مهم، لأنه ينقل النقاش من سؤال المسؤولية عن نتائج الحرب إلى سؤال الضرورة التي دفعت إليها.
ومن غزة انتقل نتنياهو إلى إيران، التي احتلت موقعاً مركزياً في روايته، تحدث عن قرار مهاجمتها في اعتباره "قراراً لم يكن صعباً"، وعن مواجهة يرى أنها تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى مستقبل المنطقة نفسها، ثم وجّه حديثه إلى الإيرانيين، وهنا تغيرت نبرة الخطاب،
لم يعد نتنياهو يخاطب دولة -خصماً فحسب، بل خاطب شعباً داخل تلك الدولة، متحدثاً عن "الحرية" وعن "مستقبل مختلف لإيران"، كان يريد، على ما يبدو، أن يقول إن النزاع ليس بين إسرائيل والإيرانيين، بل بين إسرائيل والنظام الإيراني.
لكن هذه الرسالة، في الوقت نفسه، تفتح سؤالاً آخر: هل يمكن تحويل الحرب الخارجية إلى مدخل لإعادة صوغ النزاع الداخلي في دولة أخرى؟
الخطاب لم يقدم جواباً، وكذلك لم يقدّم جواباً نهائياً عن سؤال أكثر إلحاحاً في المنطقة: ماذا بعد الحرب؟
هذه ربما كانت المساحة الأكثر فراغاً في خطاب نتنياهو؛ فالحرب كانت حاضرة بكل تفاصيلها تقريباً، الأعداء محددون، الأخطار معروفة، الإنجازات العسكرية حاضرة، لكن اليوم التالي بقي أقل وضوحاً، ماذا سيحدث في غزة؟ من سيحكمها؟ من سيعيد إعمارها؟ ما مستقبل السلطة الفلسطينية؟ هل هناك مسار سياسي نحو دولة فلسطينية؟ وكيف يمكن أن يتحول الأمن الإسرائيلي من نتيجة للحرب إلى جزء من تسوية سياسية دائمة؟
هذه الأسئلة لا تستطيع الطائرات والدبابات الإجابة عنها؛ فالعمل العسكري قد يغيّر ميزان القوى، لكنه لا يستطيع وحده أن ينتج نظاماً سياسياً جديداً، وهنا تحديداً تبدو المفارقة في خطاب نتنياهو: كان واضحاً جداً في الحديث عن المعركة، وأقل وضوحاً في الحديث عن نهايتها،
أما على المستوى الدولي، فقد بدا نتنياهو مستعداً أيضاً لخوض معركة مع بعض العواصم الغربية، هاجم مواقف أوروبية، وانتقد قطر وتركيا، وربط بعض الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بما وصفه "معاداة السامية"، كان يريد أن يرسم حدوداً واضحة بين إسرائيل ومن يقف معها، وبين خصومها أو من يعتبر أنهم يمارسون عليها الضغط، لكن العالم الذي خاطبه أكثر تعقيداً من هذه الثنائية، فهناك دول تؤكد "حق" إسرائيل في الأمن، لكنها تنتقد العمليات العسكرية في غزة، وهناك دول تدعو إلى وقف الحرب، وأخرى تدفع في اتجاه قيام دولة فلسطينية، وثالثة تحاول الموازنة بين دعم إسرائيل والضغط عليها،
لذلك فإن الخطاب لم يكن موجهاً فقط إلى العالم، كان موجهاً أيضاً إلى الداخل الإسرائيلي، إلى مجتمع يعيش منذ سنوات في ظل الحرب والخوف والاستقطاب، وإلى جمهور يريد أن يسمع من قيادته تفسيراً لاستمرار القتال وتبريراً للخيارات العسكرية، ومن هنا يمكن فهم نبرة نتنياهو، إنها نبرة قائد يقول لجمهوره: "لا تعتقدوا أن الضغط الخارجي يعني أن إسرائيل أخطأت، ولا تعتقدوا أن الاعتراض الدولي يعني أن الخطر انتهى".
وبهذا المعنى، كان الخطاب أيضاً خطاب صمود سياسي، لكن الصمود شيء، وإيجاد مخرج شيء آخر، وهنا تعود صورة القاعة التي غادرتها الوفود في بداية الخطاب، قد يراها خصوم نتنياهو دليلاً على اتساع الهوة بين إسرائيل والمجتمع الدولي، وقد يراها نتنياهو دليلاً على أنه يخوض معركة لا يريد خصومه حتى الاستماع إليها، وفي الحالتين، تصبح الصورة جزءاً من الحرب نفسها، حرب على الأرض وحرب في الإعلام وحرب على اللغة، وحرب على من يملك حق تحديد من هو المعتدي ومن هو المدافع، ومن يبدأ القصة ومن يحدد نهايتها.
ولهذا، ربما كان خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة اليوم أهم من مجرد الكلمات التي قيلت على المنبر، إنه يعكس مرحلة لم يعد فيها النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني مجرد نزاع على الأرض، بل أصبح أيضاً نزاعاً على الذاكرة والرواية والتعريفات،
كل طرف يبدأ قصته من نقطة مختلفة، وكل طرف يرى أن ما يفعله اليوم هو نتيجة لما فعله الطرف الآخر في الأمس، وبين روايتين متعارضتين، تستمر الحرب،
لكن الحروب، مهما طال أمدها، تصل في النهاية إلى سؤال لا تستطيع القوة وحدها الإجابة عنه: كيف تنتهي؟ وهذه هي المسألة التي بقيت معلقة بعد خطاب نتنياهو.
لقد شرح لماذا تقاتل إسرائيل، ومن تقاتل، ولماذا يعتقد أن عليها أن تستمر في القتال، لكنه لم يقدم، بالوضوح نفسه، صورة مقنعة عن العالم الذي يريد أن يراه بعد توقف القتال، وهنا تحديداً تظهر حدود خطاب الحرب، فالانتصار العسكري، حتى حين يتحقق، ليس بالضرورة تسوية سياسية، وإضعاف الخصم لا يعني بالضرورة القدرة على بناء السلام معه، والقضاء على قيادة أو بنية عسكرية لا يحسم تلقائياً الأسئلة التي أنتجت النزاع، لذلك يمكن قراءة خطاب نتنياهو اليوم باعتباره خطاباً لإدارة الحرب أكثر منه خطاباً لإنهائها؛ فلقد كان شديد الوضوح في رسم خطوط المواجهة، لكنه ترك الخط الذي يفصل الحرب عن السلام غامضاً.
وفي منطقة دفعت ثمناً هائلاً للحروب، قد يكون هذا هو السؤال الذي سيبقى يلاحق خطاب نتنياهو بعد أن تنطفئ أضواء قاعة الأمم المتحدة: "ليس من يستطيع أن يربح الحرب، بل من يستطيع أن يقول ماذا سيفعل بعد أن تنتهي".

