د. علي دربج ــ كاتب واستاذ جامعي- خاصّ الأفضل نيوز
لم تكن زجاجة النبيذ الفوّار على مائدة البيت الأبيض مساء أمس -الخميس تفصيلًا عابرًا، فالنوع الذي اختير لعشاء الدولة الذي أقامه الرئيس الأميركي دونالد ترامب والسيدة الأولى ميلانيا ترامب تكريمًا للرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته بنغ لي يوان، أعاد إلى الطاولة ذكرى لقاء ريتشارد نيكسون وتشو إن لاي عام 1972.
وبين نخبٍ يستحضر انفتاحًا تاريخيًا، وأطباقٍ تحمل نكهات صينية، تحوّلت قائمة الطعام إلى رسالة دبلوماسية تُقرأ قبل أن تُؤكل.
وكانت المأدبة أُقيمت خلال زيارة دولة أجراها شي إلى واشنطن بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، غير أنّ الرئيس الصيني لم يشارك في الاجتماعات، واختار لقاء ترامب في العاصمة الأميركية.
بكين على الطبق
في القاعة الشرقية، فيما ما تزال قاعة الاحتفالات الجديدة قيد الإنشاء، أشرفت ميلانيا ترامب على قائمة تُحيّي الضيف الصيني من دون أن تتخلّى عن تقاليد مآدب البيت الأبيض، وعلى طقم الأواني الخزفية الخاص بعائلة ريغان، المتلائم مع اللون الأحمر المعتمد للعشاء، بدأ الضيوف بحساء مخملي من القرع الأصفر الحلو، مع فطر برّي مُشوَّح بالأعشاب الطازجة على طريقة «الفريكاسيه»، وأضيفت إليه «بانشيتا» مقرمشة تمنحه نكهة مالحة ومدخّنة، تعلوها قطرات من زيت البصل الأخضر، ثم جاء سمك القاروص الطازج مغطّى ببذور السمسم المحمّصة، التي تُشكّل قشرة عطرية بنكهة المكسرات وتحافظ على طراوته، وإلى جانبه، قُدّم ملفوف صيني صغير مقرمش وباذنجان مشوي من الحديقة، يمنحان الطبق نكهة خفيفة تشبه الكراميل، واكتمل بصلصة خضراء من الأعشاب الطازجة، تضيف إليه انتعاشًا وحموضة.
واللافت أنّ التحية لبكين لم تأتِ عبر أطباق صينية تقليدية، بل عبر مكوّنات من مطبخها أُدخلت إلى وصفات ذات لمسة فرنسية، فحساء «فيلوتيه» و«فريكاسيه» الفطر يواصلان نهجًا ظهر في عشاء ترامب للملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، بينما منح زيت البصل الأخضر والسمسم والملفوف الصيني القائمة هويتها الخاصة بهذه الزيارة.
أما ختام الوجبة، فجمع «كريمو» ناعمًا بالفانيليا، في وسطه كرز حامض مطهوّ ومحفوظ بالسكر، فوق طبقة غنيّة من «الفرانجيباني» بالجوز، واكتمل شكل الحلوى المستوحى من الفاكهة بآيس كريم مصنوع من العسل المحصود في البيت الأبيض.
من بكين إلى كأس نيكسون
ضع في اعتبارك، أنه بعشاء أمس -الخميس، يكون ترامب ردّ الجميل لنظيره الصيني. ففي أيار/مايو الماضي، استضافه شي، الرئيس ترامب، في زيارة دولة إلى بكين حافلة بالمراسم، شملت عشاءً قُدّمت فيه أطباق صينية محبوبة أيضًا في الولايات المتحدة، منها خبز محشوّ بلحم الخنزير وبطّ بكين.
أمّا في واشنطن، فحضر التاريخ الأميركي- الصيني في الكأس: نبيذ «بلان دو نوار» الفوّار من «شرامسبرغ»، مصنع النبيذ في كاليفورنيا ، الذي قدّم الشراب الذي اصطحبه نيكسون إلى الصين عام 1972 خلال لقائه التاريخي برئيس الوزراء تشو إن لاي، وساعد «نخب السلام» الذي رفعه الزعيمان آنذاك على إذابة جليد العلاقات إبّان الحرب الباردة.
وفي الخلفية، لم تكن التجارة والعناصر الأرضية النادرة والذكاء الاصطناعي بعيدة عن الأمسية، التي سبقتها توقعات بحضور شخصيات بارزة من عالم التكنولوجيا والأعمال، ولذلك اكتسبت تفاصيل العشاء معناها من القضايا المطروحة خارج القاعة، من دون أن تتحوّل النكهات والأنخاب إلى بديل من نتائج المحادثات.
في المحصّلة:
قالت المائدة ما تستطيع الدبلوماسية قوله من دون بيان: ترحيبٌ صيني النكهة، ونخبٌ أميركي يستحضر لحظة فتحت باب الحوار قبل عقود، أمّا ما إذا كان عشاء الخميس مقدّمة لانفراج جديد، فذلك ما ستكشفه قرارات واشنطن وبكين بعد انصراف الضيوف ورفع الأطباق.

