د. علي دربج ــ كاتب وأستاذ جامعي- خاصّ الأفضل نيوز
في اليوم الذي كانت فيه كولومبيا تنتشل أكثر من 300 قتيل من تحت أنقاض أحد أكبر الزلازل في تاريخها الحديث، اختارت حكومتها الجديدة مفاجأة العالم بقرار آخر: الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.
لم يكن الإعلان خطوة منفردة، بل رأس انقلاب سياسي يعيد رسم علاقة أميركا اللاتينية بإسرائيل وفق معادلة حسّاسة: التكنولوجيا والحظوة في واشنطن مقابل حماية تل أبيب من العزلة والمساءلة.
اليمين اللاتيني ينقلب على فلسطين
عمليًا، نقل الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبرييّا بلاده، خلال ثلاثة أيام من تولّيه السلطة، من دعم فلسطين إلى الانحياز الكامل لإسرائيل، فأعاد العلاقات الدبلوماسية معها، واستأنف صادرات الفحم، وتعهّد بنقل السفارة إلى القدس، وتراجع عن افتتاح سفارة في فلسطين، وانسحب من دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ومن «مجموعة لاهاي».
غير أن كولومبيا ليست وحدها، فقد أوصلت الانتخابات قادة يمينيين وشعبويين إلى السلطة في دول عدة، بينها الأرجنتين وتشيلي وباراغواي والإكوادور وهندوراس، ومعهم تنزلق دبلوماسية استندت طويلًا إلى القانون الدولي نحو سياسة نفعية تتبنّى الرواية الإسرائيلية مقابل تعاون أمني وعسكري أعمق.
والأكثر دلالة أن باراغواي وهندوراس
وغواتيمالا نقلت سفاراتها إلى القدس، فيما تعتزم الأرجنتين وكولومبيا فعل الأمر نفسه، ويحدث ذلك بينما تتراجع شعبية إسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة، وتتسع إدانة تدمير غزة وضم الضفة، ما يجعل اليمين اللاتيني حزام نجاة يمنع تحوّل الإدانة إلى عزلة كاملة.
«اتفاقيات إسحاق»... الدين يفتح أبواب التطبيع
في نيسان 2026، أطلق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، ، «اتفاقيات إسحاق»، إطارًا للتعاون بين إسرائيل والأرجنتين و«الدول المتشابهة في التفكير»، يستحضر نسل إسحاق و«التراث اليهودي–المسيحي». أما الهدف، فهو إنشاء مظلة لاتينية توسّع التطبيع من دون معالجة الاحتلال أو الالتزام بالقانون الدولي.
وعلى المنوال نفسه، يظهر التحوّل بوضوح في تشيلي، صاحبة إحدى أكبر الجاليات الفلسطينية عالميًا، حيث عُيّن غابرييل زالياسنيك، الذي يعرّف نفسه بأنه «صهيوني فخور»، سفيرًا لدى إسرائيل. وهكذا، لا تبحث تل أبيب في القارة عن الأسواق فقط، بل عن شبكة سياسية تحميها من المحاسبة، وتفصل التعاون الأمني والاقتصادي عن الوضع القانوني للأراضي المحتلة، بما فيها القدس الشرقية والجولان السوري، وبذلك تتحوّل العلاقات الثنائية إلى أداة لتطبيع الضم، لا مجرد شراكة تقليدية بين الدول،
لكن مهلًا، لا تفسّر الأيديولوجيا هذا التحوّل وحدها؛ فبعض الحكومات ترى في إسرائيل بوابة إلى تقنيات المراقبة والأمن السيبراني، ووسيلةً لتعزيز نفوذها في واشنطن. إلا أن هذا الرهان لم يحمِ الأرجنتين وبنما وتشيلي من الضغوط الأميركية بسبب علاقاتها بالصين، ولم يمنع واشنطن من فرض رسوم إضافية بنسبة 12.5 في المئة على صادرات تشيلية.
الأرقام تفضح الذريعة
في الحقيقة، لا توجد حجة اقتصادية لإخضاع سياسة القارة للرغبات الإسرائيلية، فقد تجاوزت تجارة أميركا اللاتينية مع الخليج 32 مليار دولار عام 2022، مقابل ستة مليارات فقط مع إسرائيل، فيما بلغت تجارتها مع تركيا 16.4 مليارًا عام 2025.
في المحصلة:
تملأ إسرائيل فراغًا فلسطينيًا وعربيًا واضحًا، وتحصل على حلفاء يشرعنون احتلالها مقابل مصالح آنية، لكن موجة اليمين لن تدوم إلى الأبد، وستواجه هذه الحكومات سؤالًا حاسمًا: هل تستحق مكاسبها المؤقتة التضحية بقانون دولي تحتاج إليه لحماية سيادتها؟

