رنا عبود - خاص الأفضل نيوز
في ملف يفترض أن يشكّل أحد أعمدة الإصلاح المالي في لبنان، عاد قانون إعادة هيكلة المصارف إلى دائرة التجاذب، لكن هذه المرة من بوابة المجلس الدستوري.
رئيس الجمهورية جوزاف عون تقدّم بطعن بالقانون الذي أقرّه مجلس النواب في آب، بعدما كان قد وقّعه وأصدره، في خطوة تتركز، بحسب المعطيات المتداولة، على المادة الثالثة وعلاقتها بقانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70 منه.
فأين تكمن المشكلة؟
المادة الثالثة تحدد نطاق قانون إعادة هيكلة المصارف وأهدافه، من وضع إطار لمعالجة المصارف المتعثرة، إلى حماية الودائع والحد من استخدام الأموال العامة في عمليات الإنقاذ.
وخلال مناقشة القانون في لجنة المال والموازنة، برزت عقدة أساسية تتعلق بحدود الصلاحيات بين الهيئة المصرفية العليا التي تتولى إجراءات إصلاح المصارف، وبين مصرف لبنان وحاكمه.
وكان اقتُرح أن تتضمن المادة الثالثة عبارة: «مع مراعاة أحكام المادة 70 من قانون النقد والتسليف»، إلا أن هذه العبارة لم تدخل في الصيغة النهائية التي أقرها مجلس النواب. وفي المقابل، أكدت لجنة المال أن المادة الثالثة صيغت بما يتوافق مع أحكام قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70.
وتكمن أهمية المادة 70 في أنها تحدد صلاحيات حاكم مصرف لبنان في إطار مهمته المتعلقة بالسياسة النقدية والاستقرار النقدي والمصرفي.
وبالتالي، فإن إدراج عبارة «مع مراعاة المادة 70» كان سيؤكد صراحةً بقاء صلاحيات الحاكم محفوظة عند تطبيق قانون إعادة الهيكلة. أما حذفها، فيترك العلاقة بين القانونين أمام تفسير المجلس الدستوري والجهات المعنية.
وهنا جوهر النزاع: عندما يصبح مصرف متعثراً ويحتاج إلى إعادة هيكلة أو تصفية أو إعادة رسملة، من يملك القرار النهائي؟ هل تكون الهيئة المصرفية العليا صاحبة القرار ضمن الآلية التي وضعها قانون إعادة الهيكلة، أم تبقى قراراتها محكومة، ضمن حدود معينة، بالصلاحيات التي يمنحها قانون النقد والتسليف لحاكم مصرف لبنان؟
المسألة لا تتعلق بالصلاحيات فقط، إذ إن الجهة التي تملك القرار ستكون لها أدوار أساسية في تحديد مصير المصرف ومساهميه ودائنيه، وكيفية حماية الودائع وتوزيع الخسائر.
أما رئيس الحكومة نواف سلام، فكان موقف الحكومة باتجاه إقرار قانون إعادة الهيكلة باعتباره خطوة أساسية في المسار الإصلاحي. وبعد إقرار القانون في 13 آب، وصف سلام القانون بأنه «خطوة إصلاحية أساسية» تمهّد لإقرار قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع.
كما أن الحكومة تتعامل مع تعديلات قانون إعادة هيكلة المصارف باعتبارها جزءاً من الإصلاحات المطلوبة في إطار التفاوض مع صندوق النقد الدولي.
أما الصندوق، فيتعامل مع إعادة الهيكلة كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة بناء القطاع المصرفي وحماية المودعين واستعادة الاستدامة المالية. وكان قد شدد على ضرورة أن تكون عملية حل أوضاع المصارف مستقلة وشفافة وفعالة ومتوافقة مع المبادئ الدولية.
وبعد إقرار التعديلات، اعتبر الصندوق الخطوة تقدماً مهماً في استراتيجية إعادة هيكلة القطاع، مع التأكيد أن العمل لا يزال مستمراً، ولا سيما على قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.
وعليه، فإن الطعن لا يعني حكماً سقوط الاتفاق مع صندوق النقد، إذ إن الأثر الفعلي سيتوقف على قرار المجلس الدستوري وعلى كيفية تعامل الدولة مع أي تعديلات قد تنتج عنه.
والملف ليس جديداً. فقانون إصلاح وضع المصارف صدر للمرة الأولى عام 2025، قبل أن يبطل المجلس الدستوري أجزاءً منه في تشرين الأول من العام نفسه. ثم عادت الحكومة ومجلس النواب إلى تعديل القانون وإقرار صيغة جديدة في 2026، صدرت رسمياً كقانون رقم 71 لتعديل القانون رقم 23 المتعلق بإصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها.
واليوم يعود القانون مجدداً إلى المجلس الدستوري.
وبالنسبة إلى المودعين، تتجاوز المسألة صراع الصلاحيات، لأن إعادة الهيكلة يفترض أن تحدد عملياً كيفية التعامل مع المصارف المتعثرة، وترتيب تحمّل الخسائر وحماية الودائع.
والسؤال الآن: هل يبقي المجلس الدستوري على القانون بصيغته الحالية، أم يعيد فتح باب التعديل أمام السلطة التشريعية؟
في الحالتين، سيكون القرار مؤثراً في شكل العلاقة بين الهيئة المصرفية العليا ومصرف لبنان، وفي مسار إعادة هيكلة القطاع، وفي أحد الملفات الأساسية ضمن برنامج الإصلاح الذي تتفاوض عليه الدولة مع صندوق النقد الدولي.

