راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
لم تعد علبة السجائر في لبنان تفصيلاً صغيراً في مصروف المدخن اليومي. فمع الارتفاعات المتتالية في أسعار منتجات التبغ، أصبح شراء الدخان يحتاج إلى حساب، بعدما تحوّل من عادة يومية إلى بند يضغط على ميزانية كثيرين. وبحسب لوائح الأسعار الصادرة عن إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية "الريجي"، ارتفعت أسعار عدد من أصناف السجائر والمعسل، لتصبح الفروقات بين الأسعار القديمة والجديدة محسوسة في جيبة المستهلك. لكن اللافت أن ارتفاع الكلفة لا يبدو أنه يدفع الجميع إلى الإقلاع، بل إلى البحث عن طريقة أقل كلفة للاستمرار.
حاول المدخنون في البداية التشبّث بالأصناف التي اعتادوا تدخينها لسنوات طويلة، وغالباً ما تكون من الأنواع الأجنبية مثل "مارلبورو" و"جيتان" و"دافيدوف" وغيرها. لكن مع اشتداد وطأة الأزمة وتجاوز سعر العلبة الواحدة من هذه الأصناف عشرات آلاف الليرات، بدأ عدد كبير منهم بالبحث عن بدائل أقل كلفة، فاتجهوا نحو الدخان الوطني، وتحديداً إلى "علبة السيدرز". فالعلبة التي كانت شبه "منبوذة" بالنسبة إلى كثير من المدخنين، وكان بعض من يشتريها يفعل ذلك أساساً بسبب سعرها الزهيد، تغيّر موقعها اليوم في السوق. وباتت "السيدرز" خياراً أكثر حضوراً بين المدخنين الذين لم يعودوا قادرين على تحمّل كلفة الأصناف الأجنبية، في تحوّل دفع مؤسسة إدارة حصر التبغ والتنباك إلى تعزيز إنتاجها.
"صرت اشتري نوع أرخص، لأن العلبة اللي كنت آخدها ما عادت مثل قبل"، يقول أحد المدخنين، فيما يروي آخر أنه خفّض عدد السجائر التي يستهلكها خلال اليوم بعدما باتت كلفة التدخين تشكل عبئاً إضافياً على مصروفه. وبين من خفّف استهلاكه ومن غيّر نوعه، هناك من لم يغيّر شيئاً تقريباً، معتبراً أن التدخين عادة يصعب التخلي عنها حتى عندما ترتفع كلفتها. هكذا، لا يبدو أن الغلاء ألغى التدخين بقدر ما بدأ يغير شكل العلاقة معه، نوع أرخص، كمية أقل، أو مصروف إضافي لا يزال المدخن يجد نفسه مضطراً لتحمّله.
وبالنسبة إلى بعض المدخنين، لم يتوقف البحث عن البدائل عند السجائر الوطنية، بل وصل إلى الدخان العربي "اللف"، الذي بات بالنسبة إليهم وسيلة إضافية لخفض كلفة التدخين. ويقول (حسين. م) إنه لجأ إلى تدخين "اللف" بعدما كان يدخن "مارلبورو"، بعدما لم يتمكن من تقبّل أي نوع آخر من السجائر الموجودة في السوق كبديل. ويشير إلى أن هذا الخيار بات يوفر عليه شهرياً ما يقارب 50 دولاراً، لافتاً إلى أن سعر كيلوغرام واحد من التبغ العربي لا يتعدى نحو 3 إلى 5 دولارات، ويمكن أن يكفي لمدة شهرين إذا كان الاستهلاك بوتيرة عادية، أي بما يوازي تدخين علبة سجائر واحدة يومياً. وبذلك، يتحول "اللف" بالنسبة إلى بعض المدخنين من خيار مرتبط بعادات قديمة إلى بديل اقتصادي فرضته كلفة السجائر المرتفعة.
وفي الدكاكين الصغيرة، يظهر هذا التغيير بشكل أوضح. أصحاب المحال يلاحظون أن الزبون بات يسأل عن السعر قبل أن يطلب اسم الماركة، وأن بعض الأصناف التي كانت تُباع بشكل منتظم تراجعت لمصلحة أنواع أقل كلفة. وتقول (ن.ن)، صاحبة دكان صغير، إن الزبون الذي كان يشتري علبة معينة أصبح أحياناً يطلب "أرخص شي عندك"، فيما يكتفي آخرون بشراء كميات أقل من المعتاد. ولا ينعكس ارتفاع الأسعار على المستهلك وحده، إذ يجد صاحب الدكان نفسه أمام مبيعات تتبدل من صنف إلى آخر، فيما تبقى أرباحه مرتبطة بحركة السوق وقدرة الزبائن على الإنفاق.
أما الأركيلة، فتبدو كأنها تتحدى منطق الغلاء بطريقة مختلفة. فارتفاع سعر المعسل لم ينهِ عادة الأركيلة لدى كثير من اللبنانيين، خصوصاً أنها مرتبطة بجلسات الأصدقاء والعائلة والمقاهي، ولا تُستهلك بالطريقة نفسها التي تُستهلك بها السجائر. بعض المستهلكين يقولون إنهم خفّضوا الكمية أو انتقلوا إلى أنواع أرخص، لكنهم لم يقطعوا الأركيلة بشكل كامل. وأصحاب محال بيع المعسل بدورهم يلاحظون استمرار الطلب بين الأنواع الأرخص من ماركات "مزايا"، "نخلة"، و"الفاخر"، مع تغير في الخيارات، إذ بات السعر عاملاً أكثر حضوراً في اختيار النوع والكمية.
وفي الجهة الأخرى من السوق، يبرز التبغ المهرب كخيار قد يجد فيه بعض المستهلكين فرقاً في السعر. ومع استمرار "الريجي" في ضبط كميات من السجائر والمعسل المهرب والمزور، تطرح الزيادة في الأسعار زاوية إضافية في سلوك المستهلك، عندما يصبح المنتج النظامي أغلى، هل يبحث المدخن عن بديل أرخص خارج السوق الرسمية؟ هنا لا تبدو المسألة مرتبطة بالتهريب وحده، بل بالفارق الذي يشعر به المستهلك في جيبه.

