طارق ترشيشي- خاصّ الأفضل نيوز
تدخل الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتعثر تنفيذ التفاهمات القائمة، وبقاء الانسحاب من المناطق المحتلة وعودة السكان وإعادة الإعمار رهناً بمسار سياسي وأمني لم يحقق اختراقاً ملموساً، وقد أظهرت تجربة "المناطق التجريبية" المدعومة أميركياً محدودية التقدم، إذ لم يُتفق على مناطق إضافية بعد الانسحاب الإسرائيلي من بلدة زوطر الغربية في تموز الماضي، فيما بقيت قرى مجاورة تحت الاحتلال.
في هذا السياق، لا ينبغي التعامل مع الانتخابات بصفتها موعداً مرجحاً لانفراج تلقائي، بل باعتبارها محطة قد تزيد الضغوط على الجبهة أو تعيد ترتيب الحسابات السياسية المحيطة بها؛ فنتنياهو يواجه استحقاقاً انتخابياً في بيئة داخلية منقسمة، فيما لا تبدو المعارضة قادرة بصورة محسومة على ضمان غالبية مستقرة، الأمر الذي يفتح المجال أمام نتائج ملتبسة ومفاوضات ائتلافية طويلة،
وعليه، فإن التقدير الأكثر حذراً هو الاستعداد لاستمرار الضغط العسكري الإسرائيلي قبل الانتخابات وبعدها، مع إبقاء احتمال التصعيد الواسع قائماً من دون اعتباره نتيجة حتمية؛ فقرار الحرب لن يتوقف على الحساب الانتخابي وحده، بل سيتأثر أيضاً بالموقف الأميركي، ومسار المواجهة مع إيران، وحسابات الجيش الإسرائيلي، ومدى استعداد حزب الله والدولة اللبنانية للتعامل مع الوقائع الميدانية.
الحسابات الإسرائيلية
تتداخل في حسابات نتنياهو ثلاثة اعتبارات أساسية: حاجته إلى إظهار القدرة على فرض معادلة أمنية جديدة على الحدود الشمالية، ورغبته في منع خصومه من تصوير سياسته العسكرية على أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها، وحرصه على تجنب مواجهة داخلية أو خارجية قد تقيد هامش تحركه في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، لكن اللجوء إلى تصعيد واسع ليس خياراً خالياً من المخاطر بالنسبة إليه؛ فالحرب الكبيرة قد تستدعي رداً من حزب الله، وتفتح جبهة استنزاف جديدة، وتزيد الضغوط الأميركية، فضلاً عن احتمال أن تؤدي إلى خسائر بشرية ومادية لا يستطيع تحويلها بالضرورة إلى مكسب انتخابي، لذلك، قد يكون التصعيد المحسوب، الذي يتيح لإسرائيل مواصلة الضغط من دون الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة، أكثر اتساقاً مع تعدد القيود التي تواجه القرار الإسرائيلي.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن إسرائيل تسعى إلى تثبيت واقع أمني جديد في الجنوب، من خلال استمرار الوجود العسكري في مناطق محددة، والضغط على حزب الله لنزع سلاحه، وربط الانسحاب بتغييرات أمنية وسياسية داخل لبنان، وقد أدى ذلك إلى تجميد أجزاء أساسية من مسار التفاهمات، رغم الوساطة الأميركية.
من هنا، لا يُستبعد أن يواصل نتنياهو، حتى موعد الانتخابات، الجمع بين الضربات المحدودة والتهديدات العسكرية والتحركات الميدانية، بما يسمح له بإظهار أن حكومته تمسك بزمام المبادرة، أما الانتقال إلى عملية أوسع، فيبقى احتمالاً قائماً إذا وقع تطور أمني كبير، أو رأى المستوى السياسي الإسرائيلي أن الظروف الإقليمية والدولية تتيح له توسيع عملياته بأكلاف مقبولة.
وفي المقابل، قد يفضّل نتنياهو تجنب مغامرة كبيرة قبل الاقتراع، خشية أن تتحول حرباً مفتوحة يصعب ضبط نتائجها في وقت يحتاج إلى إدارة الحملة الانتخابية، وبالتالي، فإن غياب التصعيد الواسع قبل الانتخابات لا يعني بالضرورة وجود قرار بالتهدئة، كما أن ارتفاع وتيرة الضربات لا يعني حكماً أن إسرائيل تتجه إلى حرب شاملة.
السيناريوهات المحتملة
ـ السيناريو الأول: مواصلة إسرائيل عملياتها العسكرية المحدودة، والاغتيالات أو الضربات الموضعية، وتدمير المنشآت والمنازل في المناطق التي ما تزال خاضعة لسيطرتها أو تقع ضمن نطاق عملياتها، بالتوازي مع استمرار الضغط السياسي على الدولة اللبنانية، والغاية المحتملة هي المحافظة على مستوى مرتفع من الضغط، وتأكيد حرية العمل العسكري، من دون تحمل تبعات حرب واسعة قبل اتضاح نتائج الانتخابات.
ويمثل هذا السيناريو امتداداً للواقع القائم، ولذلك ينبغي التعامل معه في اعتباره أحد المسارات الأساسية التي يجب الاستعداد لها، لا باعتباره مؤشراً إلى قرب التسوية.
ـ السيناريو الثاني: قد يلجأ نتنياهو إلى توسيع نطاق العمليات إذا اعتقد أن التطورات الميدانية أو السياسية تفرض عليه إظهار إنجاز أمني أكبر، أو إذا وقع حدث حدودي كبير يمكن توظيفه لتبرير الرد. وقد يشمل ذلك زيادة كثافة الغارات، وتوسيع بنك الأهداف، واستهداف مواقع أعمق، أو تنفيذ عمليات برية محدودة لتغيير الوقائع في مناطق بعينها،
لكن ربط هذا المسار حصراً بالحاجة الانتخابية يبقى فرضية لا يمكن الجزم بها. فقد ينشأ التصعيد عن اعتبارات عسكرية أو عن انهيار التفاهمات أو عن تطور على الجبهة الإقليمية، كما أن توسيع الحرب لا يضمن بالضرورة تحقيق مكسب انتخابي، وقد يخلق أزمات يصعب احتواؤها.
-السيناريو الثالث: مبادرة سياسية محدودة قبل الاقتراع بحيث يبقى احتمال تحريك قناة التفاوض قائماً، سواء بفعل ضغط أميركي أو بهدف تخفيف التوتر على الحدود. وقد يأخذ ذلك شكل اتصالات تمهيدية أو طرح ترتيبات جزئية أو إجراءات محدودة تتصل بالانسحاب من بعض النقاط أو بتثبيت آليات مراقبة وتنفيذ.
غير أن التوصل إلى تسوية متكاملة قبل الانتخابات يبدو مقيداً بالتباعد بين المطالب الإسرائيلية والأولويات اللبنانية، وخصوصاً في ما يتعلق بالانسحاب، والسلاح، والسيادة، وعودة السكان، ولذلك، فإن أي مبادرة في هذه المرحلة ينبغي اختبارها من خلال نتائجها العملية، لا من خلال الإعلانات السياسية وحدها.
والسؤال هنا : ماذا لو فاز نتنياهو؟
إذا تمكن نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة، فلن يعني ذلك بالضرورة أن الحرب ستتوسع، لكنه سيمنحه تفويضاً سياسياً جديداً لمواصلة نهجه، وفق تفسيره لنتائج الانتخابات وشروط ائتلافه. وفي هذه الحالة، قد يستمر الربط الإسرائيلي بين الانسحاب من الجنوب اللبناني وبين تحقيق مطالب أمنية تتصل بسلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني، بما يهدد بإطالة أمد الوضع القائم.
وقد يعتبر نتنياهو أن بقاء القوات الإسرائيلية في مواقع محددة، ومواصلة الضربات، وفرض قيود ميدانية، أدوات ضرورية لانتزاع تنازلات إضافية من لبنان. وإذا احتفظ حلفاؤه الأكثر تشدداً بنفوذ حاسم داخل الائتلاف، فقد تصبح مساحة المناورة السياسية في اتجاه تسوية متوازنة أضيق، ومع ذلك، قد يدفع الفوز الانتخابي نتنياهو أيضاً إلى البحث عن تفاهمات تسمح له بإظهار أنه حقق أهدافه الأمنية، وتخفيف الأعباء العسكرية والاقتصادية والديبلوماسية، ويتوقف ذلك على طبيعة الحكومة التي سيشكلها، وعلى موقف واشنطن، وعلى ما إذا كان في الإمكان تحويل التفاهمات القائمة إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ والتحقق.
وعليه، فإن فوز نتنياهو لا يعني حتمية التصعيد، لكنه لا يوفر في حد ذاته ضماناً للانسحاب أو وقف الاعتداءات. والمؤشر الحاسم سيكون في السياسة التي تعتمدها الحكومة الجديدة تجاه لبنان: هل تواصل فرض الوقائع بالقوة، أم تقبل مساراً تدريجياً متبادلاً يربط الترتيبات الأمنية بالانسحاب واحترام السيادة اللبنانية؟
...وماذا لو خسر نتنياهو؟
لا يعني تراجع موقع نتنياهو الانتخابي بالضرورة انتقالاً سريعاً إلى التهدئة، فالنظام البرلماني الإسرائيلي يجعل تشكيل الحكومة رهناً بموازين الكتل والتحالفات، وقد تفضي الانتخابات إلى برلمان منقسم من دون غالبية واضحة لأي معسكر، ما يطيل فترة المفاوضات ويُبقي الحكومة القائمة في موقع تصريف الأعمال مع احتفاظها بصلاحيات تنفيذية واسعة.
وتشير التحليلات المنشورة قبيل الاقتراع إلى أن احتمال استمرار الغموض السياسي أو التوجه إلى انتخابات جديدة لا يمكن استبعاده.
في هذه الحالة، تبرز فرضيتان متعارضتان: الأولى أن يسعى نتنياهو إلى تثبيت إنجاز أمني أو تغيير الوقائع الميدانية قبل تسليم السلطة، إذا اعتقد أن تراجع نفوذه سيحد من قدرته على التأثير في مسار المواجهة. وقد يترجم ذلك إلى تصعيد محدود أو عمليات تستهدف تعزيز الأوراق الإسرائيلية في أي مفاوضات لاحقة. لكن هذا الاحتمال لا ينبغي اعتباره نتيجة تلقائية لخسارته، إذ إن أي خطوة من هذا النوع ستظل محكومة بالموقف الأميركي، والتقدير العسكري، ومخاطر توسع الحرب.
أما الفرضية الثانية، فتتمثل في أن يؤدي انتقال السلطة أو انشغال القوى الإسرائيلية بتشكيل الحكومة إلى إبطاء القرارات الكبرى، من دون أن يوقف بالضرورة العمليات الميدانية القائمة. وقد تستغل المؤسسة العسكرية هذا الفراغ السياسي النسبي لمواصلة سياسة الضغط ضمن الحدود المعتمدة، فيما تنتظر الأطراف الإقليمية والدولية اتضاح هوية الحكومة المقبلة، وإذا تشكلت حكومة جديدة، فإن تغيير القيادة قد يتيح إعادة النظر في أدوات إدارة الملف اللبناني، لكنه لا يضمن تغيير الأهداف الأمنية الإسرائيلية الأساسية. فالمواقف المعلنة لعدد من خصوم نتنياهو تشير إلى استمرار التشدد في قضايا أمن الحدود وحرية العمل العسكري ومطالب نزع سلاح حزب الله، وإن تفاوتت المقاربات في كيفية تحقيقها".
لذلك، ينبغي التمييز بين احتمال تغير أسلوب إدارة المواجهة واحتمال تغير جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان. الأول ممكن في حال انتقال السلطة، أما الثاني فيحتاج إلى مؤشرات عملية، من بينها قبول الانسحاب، ووقف الاعتداءات، وتحديد جدول زمني واضح لتنفيذ التفاهمات.
أثر المواجهة الأميركية ـ الإيرانية
يبقى المسار اللبناني مرتبطاً بدرجة مهمة بالتطورات الإقليمية، وخصوصاً العلاقة بين واشنطن وطهران، فإذا اتجه الطرفان إلى تفاهم أوسع، فقد تنشأ مساحة لتحريك الملف اللبناني ضمن تسوية إقليمية تشمل خفض التوتر على أكثر من جبهة. أما إذا تجددت المواجهة أو تعثرت الاتصالات، فقد تتراجع فرص التسوية، ويزداد خطر أن يتحول لبنان ساحة ضغط متبادل، ولا يعني ذلك أن القرار اللبناني أو الإسرائيلي منفصل عن حساباته الخاصة، بل إن الارتباط الإقليمي يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فقد تستخدم إسرائيل الضغط على الجبهة اللبنانية لتعزيز موقفها تجاه إيران، فيما قد تتأثر حسابات حزب الله بمآلات المواجهة بين طهران وواشنطن، وفي الحالتين، يواجه لبنان خطر ربط استحقاقاته السيادية بمفاوضات لا يملك التحكم الكامل بمسارها. وتزداد أهمية هذا العامل مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني، بعد الانتخابات الإسرائيلية بأسبوع واحد. فقد يحد انشغال الإدارة الأميركية بالاستحقاق الداخلي من قدرتها على تكريس ضغط ديبلوماسي مستدام، وإن كان لا يلغي إمكانية تدخلها إذا خشيت اتساع الحرب أو تهديد مصالحها الإقليمية.
التقدير والخيارات اللبنانية
في ضوء المعطيات المتاحة، لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية موعداً مضموناً لانفراج قريب، كما لا توجد معطيات كافية للجزم بأن نتنياهو سيقدم على حرب واسعة قبل الاقتراع أو بعده. والأكثر واقعية هو التعامل مع المرحلة باعتبارها فترة مرتفعة المخاطر، تتعايش فيها احتمالات استمرار التصعيد المحدود، والتصعيد الأوسع، والتحريك السياسي الجزئي، وتقتضي هذه القراءة أن يعمل لبنان على ثلاثة مسارات متوازية:
ـ أولها، تحصين الوضع الداخلي ومنع أي تطور أو انقسام يمكن أن تستخدمه إسرائيل لتبرير توسيع عملياتها، مع الحفاظ على قنوات التواصل بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والحكومة وسائر القوى المعنية.
ـ ثانيها، تكثيف التحرك الديبلوماسي مع واشنطن والجهات الراعية للتفاهمات، للمطالبة بجدول زمني واضح للانسحاب، وآلية تحقق من التنفيذ، ووقف الاعتداءات وتدمير المنازل، وإعادة الأسرى والنازحين، والشروع في إعادة الإعمار.
ـ ثالثها، تعزيز دور الدولة والجيش في الجنوب ضمن خطة قابلة للتطبيق، بما يحفظ السيادة اللبنانية ويمنع تحويل الترتيبات الأمنية وغطاء لاستمرار الاحتلال أو فرض وقائع دائمة.
ومن الضروري كذلك إعداد مقاربة لبنانية لكل من السيناريوهات الثلاثة: استمرار التصعيد المحدود، أو توسع العمليات، أو فتح نافذة تفاوضية. فغياب خطة مسبقة قد يترك القرار اللبناني أسير ردود الفعل، في حين أن وجود موقف موحد ومطالب محددة وآلية متابعة واضحة من شأنه أن يعزز القدرة على الاستفادة من أي فرصة سياسية، ويحد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وفي الحصيلة إن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون نتيجة الانتخابات الإسرائيلية وحدها، بل طريقة توظيفها في إعادة ترتيب العلاقة بين الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية والضغوط الأميركية والتطورات الإقليمية. فقد يختار نتنياهو التصعيد قبل الاقتراع لتثبيت صورة أمنية معينة، أو يفضّل ضبط الجبهة لتجنب مخاطر غير محسوبة، أو يستمر في الضغط بعد الانتخابات أياً تكن نتيجتها. وفي حال خسارته، لا يمكن استبعاد محاولة تثبيت وقائع ميدانية قبل انتقال السلطة، لكن هذا يبقى احتمالاً مشروطاً وليس استنتاجاً مؤكداً.
أما بالنسبة إلى لبنان، فإن الرهان على أن تؤدي الانتخابات وحدها إلى تبدل في السياسة الإسرائيلية ينطوي على مخاطر. المطلوب هو الاستعداد لاستمرار الضغوط، مع عدم إغلاق باب التفاوض، والعمل على تحويل أي تحرك دولي إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ. فالهدف اللبناني ينبغي أن يبقى إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات واستعادة سلطة الدولة على كل أراضيها، لا مجرد عبور الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي بأقل الخسائر.
وفي التقدير النهائي إن الفترة الممتدة من الآن إلى اتضاح نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة الإسرائيلية تستوجب أعلى درجات الحذر. ولا يمكن استبعاد تصعيد عسكري، لكن لا ينبغي بناء القرار اللبناني على افتراض أنه حتمي، أو على اعتقاد أن خسارة نتنياهو ستقود تلقائياً إلى تسوية. الأولوية هي تحصين الداخل، ورفع كلفة استمرار الوضع القائم ديبلوماسياً، والاستعداد الميداني والسياسي لكل الاحتمالات، مع إبقاء مسار الحل تحت سقف السيادة اللبنانية والانسحاب الإسرائيلي الكامل.

