ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد الشتاء في لبنان مجرّد فصل يحمل معه الأمطار والبرد، بل أصبح موسماً جديداً من المصاريف التي تثقل كاهل العائلات؛ فمع اقتراب شتاء ٢٠٢٦ - ٢٠٢٧ يبدأ اللبنانيون حساباتهم باكراً، بين صفيحة مازوت ترتبط أسعارها بتقلّبات النفط، وحطب لم يعد رخيصاً كما كان، وكهرباء تعمل على المولدات قد تتحوّل فاتورتها إلى عبء إضافي. والسؤال الذي يتكرّر في معظم المنازل: أيّ وسيلة تدفئة هي الأوفر هذا العام؟
بحسب جدول أسعار المحروقات الصادر في ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦، بلغ سعر صفيحة المازوت، سعة ٢٠ ليتراً، مليونين و٥٨٩ ألف ليرة لبنانية، أي نحو ٢٩ دولاراً. وهذا يعني أن عائلة تستهلك ١٠٠ ليتر شهرياً تحتاج إلى نحو ١٤٥ دولاراً للتدفئة، فيما ترتفع الكلفة إلى ٢٩٠ دولاراً عند استهلاك ٢٠٠ ليتر. أما في المناطق الجبليّة، حيث يستمر البرد لساعات أطول، فقد تكون الفاتورة أعلى بكثير، خصوصاً في المنازل الكبيرة أو التي تفتقر إلى العزل الجيد.
أما الحطب، الذي لطالما شكّل بديلاً اقتصادياً في القرى والمناطق الجبليّة، فلم يعد الخيار الأرخص بالضرورة. إذ يتراوح سعر الطن هذا الموسم بين ٢٥٠ و٣٥٠ دولاراً، بحسب نوع الخشب وجودته. وبذلك، فإن عائلة تحتاج إلى طنين خلال فصل الشتاء ستدفع ما بين ٥٠٠ و٧٠٠ دولار، من دون احتساب تكاليف النقل. وإلى جانب العبء المالي، يثير ارتفاع الطلب على الحطب مخاوف بيئيّة متجدّدة، في ظل استمرار قطع الأشجار والضغط على الثروة الحرجيّة في لبنان.
في المقابل، تبدو التدفئة الكهربائية أكثر سهولة، خصوصاً في الشقق الصغيرة، لكن كلفتها تختلف بحسب مصدر الكهرباء ونوع الجهاز المستخدم، فوفق تسعيرة المولدات الخاصة لشهر أيلول ٢٠٢٦، تراوح سعر الكيلوواط ساعة بين ٥٢٨٤٠ و٥٨١٢٤ ليرة لبنانية، وبحساب بسيط، فإن تشغيل مدفأة كهربائية تقليدية بقدرة ٢٠٠٠ واط لمدة خمس ساعات يومياً يكلّف ما بين ١٧٧ و١٩٥ دولاراً شهرياً، من دون احتساب الرسوم الثابتة أو استهلاك بقية الأجهزة المنزليّة، وقد تكون الكلفة أقل عند استخدام مكيّف حديث موفّر للطاقة، أو عند الاعتماد على كهرباء الدولة بتعرفتها المختلفة.
هذه المقارنة تعكس كلفة سيناريوهات استهلاك مختلفة، ولا تعني أن الوسائل الثلاث تنتج الكمية نفسها من الحرارة؛ فالمساحة المراد تدفئتها، والموقع الجغرافي، والعزل الحراري، وكفاءة المدفأة، كلها عوامل تؤثر مباشرة في الفاتورة النهائيّة.
لكن ما يزيد المشكلة تعقيداً هو غياب الاستقرار في الأسعار. فقد شهدت أسعار المازوت ارتفاعاً بنحو ٣٥% بين أول تموز ومنتصف آب ٢٠٢٦، فيما ارتفعت التعرفة الرسميّة للمولدات بأكثر من ١٨% بين تموز وآب في المناطق الساحليّة والمكتظة، وهذه التقلّبات تجعل من الصعب على العائلات تحديد ميزانية واضحة لفصل الشتاء، خصوصاً أن أي ارتفاع جديد في أسعار النفط قد ينعكس سريعاً على كلفة التدفئة.
ومن الطبيعي عدم القدرة على مقارنة احتياجات عائلة تسكن في بيروت بتلك التي تعيش في البقاع أو جرود الشمال. ففي المناطق الساحليّة، قد تكفي ساعات محدودة لتدفئة المنزل، بينما تحتاج العائلات في المرتفعات إلى التدفئة معظم ساعات اليوم، وعلى امتداد أشهر إضافية. وهنا، لا يعود الاختيار مرتبطاً بالوسيلة الأرخص فقط، بل بالقدرة على تأمين الدفء طوال الشتاء.
وبين ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائيّة، لم تعد التدفئة مسألة راحة منزليّة، بل حاجة أساسية ترتبط بصحة العائلات، ولا سيما الأطفال وكبار السن. فالمواطن الذي كان يبحث سابقاً عن أفضل وسيلة لتدفئة منزله، أصبح اليوم يحسب عدد ساعات التشغيل وكميّة الوقود التي يستطيع شراءها.
ومع اقتراب أولى موجات البرد، يبقى السؤال الأبرز: هل سيتمكّن اللبنانيون من تدفئة منازلهم هذا الشتاء، أم سيصبح الدفء رفاهية إضافية في بلد لا تنتهي فيه فواتير الأزمات؟

