راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
ثلاثة أعوام تفصل بين تقديم اقتراح القانون المتعلق بتعزيز سياسات الرعاية الأسرية عام 2023 وإقراره في اللجان النيابية المشتركة في 30 أيلول 2026. ويقترح القانون رفع إجازة الأمومة في لبنان من عشرة أسابيع إلى 14 أسبوعًا، ومنح الأب إجازة أبوة مدفوعة الأجر لمدة عشرة أيام، إلى جانب تدابير تتصل بالرضاعة الطبيعية ورعاية الأطفال والحماية الاجتماعية. وبين تقديم الاقتراح وتقدّمه في المسار التشريعي، بقيت هذه الحقوق المقترحة بانتظار استكمال الإجراءات اللازمة لإقرارها ووضعها موضع التنفيذ.
لكن بلوغ الاقتراح مرحلة اللجان المشتركة لا يعني أن تطبيقه بات قريبًا أو مضمونًا. فإلى جانب احتمال تأخر إقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب، تبرز أسئلة عن قدرة هذه التدابير على إحداث تغيير ملموس في حياة الأمهات العاملات، وعن كيفية تمويلها وضمان تطبيقها، والأهم، عن احتمال أن تواجه المرأة تمييزًا غير مباشر في التوظيف بسبب الأعباء التي قد ترتبها الأمومة على صاحب العمل. فهل تفتح الخطوة التشريعية الباب أمام حماية أوسع للمرأة والأسرة، أم يبقى أثرها محدودًا ما لم تترافق مع سياسات عملية تضمن الحقوق وتمنع الالتفاف عليها؟
من إجازة الأمومة إلى منظومة رعاية متكاملة
تشرح رئيسة لجنة المرأة والطفل النيابية، النائبة عناية عز الدين، في حديث خاص لـ"الأفضل نيوز"، أن الهدف من الاقتراح لا يقتصر على تعديل مدة إجازة الأمومة، بل يقوم على رؤية أوسع للعلاقة بين الأسرة والعمل والاقتصاد. وتقول إن ضمان حقوق أفراد الأسرة يحتاج إلى منظومة متكاملة تمكّن الوالدين من تحمّل مسؤولياتهما الأسرية من دون المساس بحقهما في العمل والمشاركة في الحياة الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يجمع الاقتراح بين إجازتي الأمومة والأبوة، باعتبار أن رعاية الطفل مسؤولية مشتركة، مع مراعاة خصوصية كل من الإجازتين.
أسبوعًا للأم: ما الذي يتغير؟
يقترح النص تمديد إجازة الأمومة إلى 14 أسبوعًا، بما يمنح المرأة وقتًا إضافيًا للتعافي بعد الولادة ورعاية طفلها، ويقرّب التشريع اللبناني من الحد الأدنى الذي تنص عليه اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 183 بشأن حماية الأمومة. وتوضح عز الدين أن الغاية هي توفير حماية أفضل للمرأة في مرحلة الحمل والولادة وما يليهما، بما يراعي احتياجاتها الصحية واحتياجات الطفل، ويتيح لها متابعة حياتها المهنية من دون أن تتحول الأمومة إلى سبب للانتقاص من فرصها في العمل. غير أن فعالية هذه الخطوة ستبقى مرتبطة بمدى ضمان استفادة النساء منها فعليًا، وبوجود آليات تحميهن من التمييز بسبب الحمل أو الأمومة.
عشرة أيام للأب: تكريس الحق في المشاركة
إلى جانب إجازة الأمومة، ينص الاقتراح على منح الأب إجازة أبوة مدفوعة الأجر لمدة عشرة أيام، في خطوة تهدف إلى تكريس حقه القانوني في المشاركة في رعاية طفله ومساندة الأم خلال الفترة الأولى بعد الولادة. وتؤكد عز الدين أن تثبيت هذا الحق في التشريع يشكّل نقطة انطلاق يمكن البناء عليها مستقبلًا لتطوير الإجازة وزيادة مدتها. فالمشاركة في الرعاية، وفق مقاربة الاقتراح، لا ينبغي أن تبقى مرتبطة بظروف العائلة أو بالتسهيلات التي يقرر صاحب العمل منحها، بل يجب أن تستند إلى حق قانوني واضح.
حماية المرأة من التمييز في سوق العمل
لا تنفصل حقوق الأم العاملة عن واقع النساء في سوق العمل، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية التي شهدها لبنان. وتلفت عز الدين إلى أن النقاشات التي أجرتها لجنة المرأة والطفل، ضمن مسار بحث التمكين الاقتصادي للمرأة في الأزمات، أظهرت حجم التحديات التي تواجه العاملات، خصوصًا في القطاع غير المنظّم، حيث تضعف الضمانات المرتبطة بالأجور وشروط العمل والحماية الاجتماعية.
الدوام الجزئي من دون خسارة الضمان
ضمن الملفات التي تبحثها اللجنة، تبرز فكرة إتاحة العمل بدوام جزئي للأم مع الحفاظ على حقوقها الأساسية، وخصوصًا تلك المرتبطة بالضمان الاجتماعي. وتكمن أهمية هذا التوجه في توفير مرونة أكبر للنساء اللواتي يحتجن إلى تنظيم وقتهن بين العمل ورعاية الأطفال، من دون أن يؤدي تخفيض ساعات العمل إلى إضعاف حمايتهن الاجتماعية أو خسارة امتيازاتهن الوظيفية. لكن تحويل هذه الفكرة إلى إجراء قابل للتطبيق يتطلب تحديد شروط واضحة تضمن عدم استخدام الدوام الجزئي وسيلةً لخفض الأجور أو تقليص الحقوق.
الرضاعة الطبيعية
تطرح اللجنة أيضًا تدابير لدعم الرضاعة الطبيعية بعد عودة الأم إلى العمل، من بينها منحها ساعة مدفوعة الأجر خلال الدوام لهذه الغاية. فالتحدي لا يكمن فقط في توفير إجازة أطول بعد الولادة، بل في تأمين ظروف تسمح للأم بالاستمرار في الرضاعة عندما تستأنف عملها. ويكتسب هذا الجانب أهمية صحية واجتماعية، لكنه يحتاج إلى قواعد واضحة وآليات تطبيق تتيح للأمهات الاستفادة من هذا الحق من دون أن يتحول إلى مصدر خلاف مع أصحاب العمل أو سبب إضافي للتمييز.
الحضانات جزء من الحل
لا يمكن معالجة التحديات التي تواجه الأم العاملة من دون التوقف عند كلفة رعاية الأطفال ومدى توافر الحضانات الآمنة. وفي هذا السياق، تبحث اللجنة خيارات تتصل بإنشاء حضانات في المؤسسات الكبيرة، وتعزيز تنظيم قطاع الحضانات والرقابة على معايير السلامة، إلى جانب طرح إمكانية مساعدة الأسر في تغطية كلفة تسجيل الأطفال. وتكتسب هذه التدابير أهمية لأنها تتناول أحد العوائق العملية التي قد تدفع بعض النساء إلى تقليص ساعات عملهن أو مغادرة الوظيفة. إلا أن أثرها سيظل مرتبطًا بوضوح الآليات المقترحة، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، ومصادر التمويل.
من إقرار اللجان إلى الهيئة العامة
بعد إقرار الاقتراح في اللجان النيابية المشتركة في 30 أيلول 2026، تتجه الأنظار إلى الخطوة التشريعية التالية، وما إذا كان سيُدرج على جدول أعمال أول جلسة تشريعية مقبلة. فإقرار اللجان لا يساوي إقرار القانون نهائيًا، كما أن إقرار النص وحده لا يكفي لضمان تنفيذه ما لم تتحدد آليات تطبيق الحقوق وتمويلها والرقابة على الالتزام بها. ومن هنا، يبقى المطلوب توضيح المسار الزمني المتوقع، والضمانات التي ستحمي النساء العاملات، وكيفية وصول التدابير إلى الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما العاملات خارج القطاع المنظّم. فالمعيار الحقيقي لنجاح الاقتراح لن يكون عدد الأسابيع والأيام التي يضيفها إلى الإجازات فحسب، بل قدرته على جعل الأمومة والرعاية الأسرية حقين لا يهددان مستقبل المرأة المهني.

