ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
"توليت" الغامض.. وفي عصر أصبحت فيه الصورة الشخصية جزءًا أساسيًا من صناعة النجومية.. اختار توليت أن يسلك طريقًا آخر، فظهر بقناعٍ أبيض يُخفي ملامحه تاركًا لأغانيه مهمة التعريف به.
الفكرة التي يقدّمها توليت تتجاوز الغموض نفسه، إذ يضع تجربة الاستماع في مقدمة الاهتمام، بعيدًا عن التركيز المفرط على شخصية المغني وحياته الخاصة. هذا القناع ليس مجرد تفصيل بسيط، بل أصبح جزءًا من هويته الفنية، يجعلنا نستحضر إلى الأذهان، الفيلم الأميركي الشهير "The Mask" الذي جسّد فيه جيم كاري شخصية رجل تتغير حياته بعد ارتداء قناع أخضر يمنحه مظهرًا وقدرات استثنائية. ورغم الاختلاف الكبير بين الهويتين الفنيتين، إلا أنهما يجمعهما عنصر لافت يتمثّل في تحويل القناع إلى جزء أساسي من هوية الشخصية.
لم يكن "توليت"، الوحيد الذي اختار إخفاء ملامحه، فقد سبقه فنانون عالميون مثل "Marshmello"، وDaft Punk، إلى جانب Sia، التي تُخفي وجهها بشعر مستعار، و Orville Peck المعروف بقناعه الجلدي، ليصبح إخفاء الوجه جزءًا من هويتهم الفنية.
" توليت" الذي بدأ مسيرته بإصدار أعماله بصورة مستقلة، نجح اليوم في تحقيق انتشار واسع على مستوى العالم العربي، فيما شكلت أغنية "ليالينا" إحدى محطات انطلاق توليت إلا أن "حبيبي ليه" جاءت لتعزّز حضوره في مشهد البوب العربي وتوسّع قاعدة جمهوره.
في أعماله، تتجاور الألحان العاطفية مع إيقاعات البوب والهيب هوب، بتأثيرات موسيقية متنوعة.. ورغم الصخب الذي يرافقها والانتقادات التي تقارن بين أغاني زمان وأغاني اليوم، تنجح أغانيه في ملامسة الجمهور، حاملة شيئًا من الإحساس ولكن بروح معاصرة.
هذا، وتتميّز أغاني توليت بإيقاعاتها المتنوّعة التي تجمع بين الخفّة والحيوية، متنقّلةً بين النبضات السريعة والمقاطع الأكثر هدوءًا، في توليفة موسيقية تمنح كل أغنية طابعها الخاص وتمنح أغانيه إيقاعًا يعلق في الذاكرة ويزيد من تفرّد تجربته الموسيقية.
من "حسيني"، إلى " الحب جاني"، و"من غير كلام"... يرسم توليت ملامح تجربته الغنائية، أغنية تلو أخرى، تاركًا لجمهوره، مهمة اكتشاف ما يجمع بينها. من تفاصيل نعيشها كل يوم، ومواقف نمرّ بها من دون أن نلتفت إليها، إلى مشاعر نعجز أحيانًا عن التعبير عنها، يستمدّ صاحب القناع الشهير من الحياة اليومية مادةً لأغانيه، محوّلًا لحظات عابرة إلى كلمات وألحان يجد الجمهور فيها شيئًا من نفسه.
ولعبت المنصات الرقمية دورًا بارزًا في انتشار توليت، إذ ساعدت على وصول أغانيه إلى شرائح مختلفة من الجمهور، ومنحته مساحة لبناء قاعدة جماهيرية خارج الأطر التقليدية لصناعة الموسيقى.
ومع تداول أعماله عبر مواقع التواصل، لم يعد القناع وحده مصدر الفضول، بل أصبحت الأغاني نفسها جزءًا من النقاش الدائر حول هويته وأسلوبه، في ظاهرة تُظهر كيف يمكن للموسيقى أن تصنع حضورًا واسعًا حتى في غياب الصورة الواضحة لصاحبها... توليت "الغامض".

