طارق الحجيري- خاصّ الأفضل نيوز
قانون العفو العام الذي أقرّه مجلس النواب، ووقّعه رئيس الجمهورية في الشهر الماضي، ليس تفصيلاً عابراً في السياسة اللبنانية، بل شكّل خطوة مفصلية طال انتظارها من عائلات أرّقها الانتظار، وسجناء طال ظلمهم، ومجتمع لا يستطيع السكوت على الظلم والجراح المفتوحة.
وبدل أن يشكل القانون مدخلاً لمعالجة ملف إنساني واجتماعي حسّاس، ومحطة انطلاق قطار التعافي والخروج من نفق الظلم، تحوّل إلى مادة للنكد السياسي والشعبوية الرديئة، بعد الطعن الذي تقدّم به التيار الوطني الحر أمام المجلس الدستوري، وما واكبه من توترات وسقوف عالية في الخطاب، ومن مخاوف جدية على الشارع والسلم الأهلي.
حفظ الدستور
احترام الدستور حجر الزاوية في قيام الدولة السليمة، ويمنع تحويل المؤسسات إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية. لذلك فإن دور المجلس الدستوري هو مراقبة دستورية القوانين من عدمها، وليس له الحق في مصادرة صلاحيات مجلس النواب، فالمجلس النيابي هو السلطة التشريعية الوحيدة التي أناط بها الدستور مهمة التشريع. وأعطى كل مؤسسة صلاحياتها ورسم حدودها، وأي تجاوز لها يُهدد الانتظام الدستوري، ويُضعِف ثقة المواطنين بالدولة.
لذلك جاء تحرك النواب السنة دفاعاً عن قانون العفو العام، كما أقرّه المجلس النيابي، ولا يمكن وضعه واختزاله في إطار طائفي أو تقديمه على أنه مواجهة مع باقي المكونات الوطنية؛ فالقضية أوسع من ذلك، إنها قضية عدالة وطنية، ومؤسسات دستورية تقوم على مبدأ الفصل بين سلطاتها، كما يهدف هذا الحراك إلى منع انزلاق الخلاف السياسي إلى الشارع، لما في ذلك من مخاطر على السلم الأهلي.
العدل طريق النجاة
إن المطالبة بالعدل وإنصاف السجناء المظلومين، بعد كل هذا الانتظار، وبعد التأجيل المتعمّد لجلسات محاكماتهم، ليست منّة من أحد، ولا ينبغي خضوعه لموازين القوة السياسية أو الحسابات الطائفية؛ فالعدالة لا تتجزأ غب الطلب، ولا تستقيم دولة القانون إذا تعرّضت حقوق بعض مواطنيها للاستهداف الممنهج وتركيب الملفات والقضايا بشكل تعسفي بهدف القمع والإسكات.
لبنان اليوم، وفي ظل الظروف القاسية التي نعيشها، هو بحاجة ماسّة إلى الهدوء ومنطق العقل والاحتكام إلى المؤسسات، لا إلى تأجيج الانقسامات أو فتح أبواب المصالح الفئوية والشخصية الضيقة؛ فالعفو حين يُطبّق وفق معايير وقواعد عادلة تحفظ حقوق الضحايا والمجتمع، يمكنه أن يكون خطوة جبارة في درب المصالحة الوطنية وترميم الثقة بالدولة،
العدالة ليست انتصاراً لفئة على فئة، وليست امتيازًا لطائفة دون أخرى، بل ضمانة عامة للوطن والمواطن؛ لأن إنصاف المظلوم، والتزام الدستور، واحترام مبدأ فصل السلطات، كلها خطوات تحمي الدولة، وتُكّرِس استقرارها وتُغلق أبواب الفتنة، وتؤكد أن كرامة المواطن هي أساس بناء وقيامة الوطن.

