ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
تخيّل أن تقع في حب الذكاء الاصطناعي.. أن تقطع أكثر من ألفي كيلومتر بالحافلة، في رحلة استغرقت أكثر من 36 ساعة، لتلتقي امرأة وقعت في حبّها عبر الإنترنت.. ثم تكتشف أن لا وجود لها أصلًا!.
هذه ليست قصة من أفلام الخيال العلمي، بل حكاية البرازيلي إديمار روشا مارتينز، الذي سافر على أمل لقاء "جيسيكا أوليفيرا"، المرأة التي تعرّف إليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يكتشف أنها شخصية افتراضية أُنشئت بالذكاء الاصطناعي، الـ "AI".
قصة إديمار تكشف الوجه الآخر لثورة الذكاء الاصطناعي، وتطرح هذه الظاهرة أسئلة فلسفية جديدة تدفعنا إلى إعادة التفكير في ماهية الحب والمشاعر الإنسانية. هل نحن أمام شكل جديد من العلاقات؟ وما الذي يجعلنا نتعلق بالآخر، وجوده الحقيقي، أم قدرته على منحنا الشعور بالاهتمام والاحتواء؟ هل نحن أمام تعريف جديد للحب؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنحنا شعورًا بالحب دون أن يشعر به فعلًا؟.
المؤثر الافتراضي يبني اليوم قاعدة جماهيرية واسعة، ويتفاعل معه متابعوه كما لو كان شخصًا حقيقيًا، يحبّونه، يتابعون تفاصيل حياته، يمدحون شكله أو ينتقدونه، يعلقون على تصرفاته وخياراته، ويتعلقون به عاطفيًا من دون أن يدركوا أحيانًا أن الشخصية التي يتعاملون معها ليست سوى نتاج للذكاء الاصطناعي.
وهكذا، لم يعد التأثير حكرًا على البشر، فهناك من ينافسهم على أضواء الشهرة.. ثقة الجمهور، ويفتح أمام الشركات أبوابًا جديدة للتسويق. واقع افتتحته ليل ميكيلا (Lil Miquela)، الشخصية الافتراضية التي ظهرت عام 2016، ومهّدت الطريق أمام جيل جديد من المؤثرين الرقميين.
و"ليل" منذ ظهورها على إنستغرام استطاعت أن تتعاون مع علامات عالمية مثل "برادا" و"سامسونغ" و"كالفن كلاين"، لتصبح من أبرز الوجوه الرقمية في عالم التسويق والترفيه. نحن أمام شخصيات افتراضية، تبدو وكأنها تعيش حياة متكاملة.. تغني وتتحدث وتظهر مواهب مختلفة وتتفاعل مع متابعيها.
وبحسب الدكتورة دينارا دافليمباييفا، المحاضِرة في مجال الأعمال الرقمية، والأستاذ سافاس باباجيانيديس، نائب العميد المؤقت في كلية إدارة الأعمال بجامعة نيوكاسل، في مقالهما "Are Virtual Influencers the Future of Influencer Marketing"، يرتبط انتشار المؤثرين الافتراضيين باعتياد الأجيال الشابة على التفاعل الرقمي، إلى جانب ما توفره هذه الشخصيات للعلامات التجارية من مرونة في التحكم بمظهرها ومحتواها، ومواءمتهما مع الأهداف التسويقية، فضلًا عن إمكانية خفض بعض التكاليف والقيود اللوجستية.
لكن دافليمباييفا وباباجيانيديس يلفتان إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي، من التضليل، وأزمة المصداقية إلى تكريس الصورة النمطية، كما في قضية "Fn Meka" الذي أنهت "Capitol Records" شراكتها معه عام 2022 إثر جدل حول اتهامات بالعنصرية والاستحواذ الثقافي. فمن يحاسب شخصية لا وجود لها في الواقع؟
ومن عالم التسويق والترفيه إلى غرف الأخبار، يتسع حضور الذكاءالاصطناعي، ليشمل صناعة المحتوى الإخباري وتقديمه. فمن الصين، حيث بدأت وكالات أنباء تجربة تقديم الأخبار، بواسطة شخصيات مولدة بالذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى دول عربية تبنت تجارب مماثلة، بدأت ملامح جديدة للإعلام تتشكل. ولم يبقَ هذا التحول بعيدًا عن لبنان، فقد دخلت مجموعة "النهار" التجربة، بإطلاق المذيعة الافتراضية "نور" والمراسل الرقمي "نهار"، في خطوة تفتح النقاش حول مستقبل الصحافة وحدود دور الإعلامي البشري في عصر الذكاء الاصطناعي.
يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ينافسنا على أخذ وظائفنا، بل ينافسنا على قلوب الناس أيضًا.. لكن الأهم، قبل أن نقع في حبه، أن نتأكد من أنه لا يجيد استخدام الـ "Unfollow" والـ "Block"!.

