يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
إنَّ غيابَ مصرَ الطويل عن الساحة العربية بشكل عام وعن لبنانَ بشكل خاص، قد بات يؤلم اللبنانيين والعرب أكثر من أي وقت مضى ويجعلهم كالأيتامِ على مائدة اللئام، فلا قضيةَ تجمعهم ولا أهداف توحّدهم ولا رؤيةَ تتضح من خلالها معالم الطريق أمامهم ولا مشروعَ يقود إلى نهضتهم وتحررهم من أطماع قوى الاستعمار الحديث والذي بات يلبس أقنعة متعددةً في كثير من الأحيان ويكشف عن وجهه القبيح في أحيان أخرى ، كأنهم يتيهون في الأرض ويتخبّطون بالضياع بين الشرق والغرب، كقافلةٍ من النوق ضلّت طريقها في الصحراء ونفد مخزونها من الماء والغذاء وهي تسعى خلف السراب.
إنَّ مصرَ التي حباها الله بدور قيادي في المنطقة العربية وأفريقيا والعالم الثالث في زمن الرئيس الخالد جمال عبد الناصر لطالما كانت ملهمةً للأحرار في الأرض، تعاند وتقاوم الطامعين بالثروات، وتدعم حركات التحرّر والاستقلال وتناصر كلَّ ثورة على الظلم والاستبداد والاستعباد والاحتلال والعدوان والإقطاع والفساد.
مصرُ هذه التي تحمّلت تبعات الهزيمة عام 1967 دفاعاً عن عروبة سورية ودفاعاً عن وحدة اليمن .. ومصر هذه التي أرست الاستقرارَ في لبنان في المرحلة الشهابية وما بعدها، وساعدت في وأد الفتن وترسيخ دعائم الاقتصاد وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، وصولاً إلى بناء جامعة بيروت العربية كفرعٍ من جامعة الإسكندرية، في مكان سجن الرمل الشهير، كتلبية فورية لمطلب وجهاء بيروت وعلى رأسهم الحاج توفيق حوري ورئيس جمعية البرِّ والإحسان الحاج علي الإمام.
مصرُ هذه التي غابت عن الصراع العربي الإسرائيلي بتوقيع اتفاق الذل والإذعان في كامب دافيد عام 1979 وبإرادة منفردة من الرئيس أنور السادات، وغابت عن كل دور وتأثير لها في محيطها العربي بسبب المقاطعة العربية التي كانت ردًّا طبيعيًّا ومباشراً على زيارة السادات لبيغن وخطابه الانهزامي الشهير في الكنيست الإسرائيلي..
مصرُ هذه قد تركت جرحاً عميقاً في خاطر الأمة العربية لا يندمل إلا بعودتها إلى رشدها من جديد، وبالتالي عودتها إلى موقعها الطبيعي في قيادة الأمة لأن غيابها، بما تمثل من طاقات بشرية هائلة وقدرات مادية صناعية وطبيعية، ليس كغياب أية دولة أو كيان.
يقول أحد الحكماء : " إنَّ الوطنَ العربيَّ نسرٌ قلبُه فلسطين وجناحيه مصرُ وسوريّة، ولا يمكن لهذا النسر أن يحلّق عالياً إلا إذا سلمَ قلبُه وجناحاه"، ويقولُ حكيمٌ آخر : " لا سلام بدون سورية ولا حرب بدون مصر"، ولعل الذي يقرأ التاريخ منذ الفتوحات العربية وحتى يومنا هذا مروراً بمعركة عين جالوت ومعركة حطين ومعركة العاشر من رمضان 1973، أو ما تسمى معركة تشرين، يدرك تماماً صوابيةَ ذلك التشبيه وحقيقة تلك المعادلة في الحرب والسلام.
واليوم وبعد مضيِّ أكثر من أربعة عقود على اتفاقية كامب ديفيد، ورغم حضور مصر في كثير من الملفات العربية واللبنانية الشائكة، لا زلنا نشعر بالأسى والحسرة أكثر لأنها لا تحضر بثقلها الطبيعي ووزنها الحقيقي كما كانت تحضر في الماضي، ولا زلنا بحاجة ملحة إليها لتسوية الخلافات بين الأقاليم العربية من جهة وبين الطوائف والعشائر والأحزاب في كل إقليم عربي من ناحية أخرى، فدور مصر ليس دور المراقب للأحداث عن بعد ولا دور الصديق الذي يعترف ويؤيد عن بعد أو يرفض ويدين عن بعد، ولا دور العرّاب للعلاقات بين الإخوة الفلسطينيين والأعداء الصهاينة، كما كان في عهد الرئيس حسني مبارك، بل إن دور مصر في تصفية الخلافات وتسوية النزاعات وجمع شمل الأمة كلها يتعدى ذلك كله إلى دور الأخ الأكبر الناضج الواعي القوي القادر بكل ما يحمله التشبيه من معانٍ ودلالات.
فإذا ذهبنا إلى اليمن ورأينا مشهد الإخوة المتقاتلين الرافضين لأية تسوية أو حوار نتلمّس غياب مصر، وإذا مررنا بالعراق وليبيا وفلسطين وسورية ورأينا امتداد النفوذ الأجنبي إليها نتلمس غياب مصر وغياب المشروع القومي العربي الوحدوي النهضوي التحرري، أو ضعفه على الأقل في مواجهة التحديات وتزايد حجم الهجمة من كل الجهات إذا أردنا أن نكون منصفين.،
وإذا عدنا إلى لبنان واستمعنا، إلى خصومنا التقليديين منذ نشأة هذا الكيان يتحدثون عن عروبته ويستخدمون لغتَنا وأدبياتنا في العمل السياسي، ولو كتكتيك سياسي مرحلي، تذكّرنا دورَ مصر القديم وقلنا : رحم الله السفير المصري عبد الحميد غالب ورحم الله قائدَنا الخالد جمال عبد الناصر.
واليوم، وبعد أن وصل الوضع في لبنان إلى عنق الزجاجة، وعجز أقطاب السياسة اللبنانيين عن تسمية رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق عمل المؤسسات الدستورية، وسط إحكام الخناق والحصار وتفاقم الغلاء في الأسعار وانقسام سياسي حاد بين مكوّنات المجتمع اللبناني، ورغم أن الشقيقة مصر حاضرة في اللجنة الخماسية التي ستجتمع قريباً على هامش أعمال هيئة الأمم المتحدة في نيويورك، فإننا كلبنانيين نرجو أن يكون لمصرَ الكنانة دور فاعل أكثر في بناء الجسور بين أبناء الشعب الواحد وفي خلاص هذا الشعب من عذاباته، لعل اللبنانيين بأجمعهم يباركون هذا الدور العربي المصري لأنهم كالغريق الذي يسعى للإمساك بقشةٍ من أجل النجاة، فكيف إذا امتد له غصن يتفرع من دوح العروبة ولا تدفعه إلا الغيرة العربية والحمية والمروءة العربيتان، وحينها فقط سنتغنى بمصر المخلصة والمخَلّصة ونغني مع فيروز ونقول :
" مصرُ عادَت شمسُكِ الذهَبُ".

