كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
لبنان هذا الكيان الّذي أنشأتْهُ فرنسا في أوّل أيلول ١٩٢٠، واعتبرَه "الموارنةُ" وطنَهم، فلم يحصلْ اتفاقٌ بين اللّبنانيّين حول هويّته، هل هو عربيّ الانتماء، أم غربيّ الولاء، ولم يخرج من هذا السّؤال الوطنيّ والقوميّ والمصيريّ، إلّا بتسويةٍ حصلت بين الرّئيسين بشارة الخوري ورياض الصّلح، وما يسمّى ب "الميثاق الوطنيّ" أو صيغة "العيش المشترك"، الّتي كانت تهتزّ مع كلّ أزمةٍ داخليّةٍ، سياسيّة أو دستوريّة، أو أخرى لها علاقة بالصّراع مع العدوّ الإسرائيليّ، إضافة إلى الخلاف حول عقيدة الجيش القتاليّة، و"حياد لبنان".
هذه العناوين الخلافيّة تظهرُ في كلّ فترة وينقسم اللّبنانيّون حولها، وهذا ما ظهر مع الحرب على غزة الّتي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي، إثر عمليّة طوفان الأقصى الّتي نفّذتها "كتائب القسّام" الذّراع العسكريّ لحركة "حماس"، إذ خرج من بين اللّبنانيين، وتحديدًا قوى ١٤ آذار، أو من يسمّون أنفسهم "السّياديّون"، ليحمّلوا "حماس" مسؤوليّة ما يجري في غزة، من تدميرٍ وقتلٍ وتهجيرٍ واقتلاعٍ لشعبٍ من أرضه، وهو التّوصيف نفسه لأميركا ومعها دول غربيّة لا سيّما فرنسا وبريطانيا وألمانيا، الّذين حمّلوا "حماس" مسؤوليّة قتل الأطفال والنّساء اليهود، لدى دخولهم المستوطنات في غلاف غزة، وهو ما لم يحصل، لا بل تمّ أسر عسكريّين ومدنيّين، وكلّ مدنيّ في إسرائيل هو عسكريّ في الاحتياط أو الخدمة الفعليّة، سواء كان رجلًا أو امرأة.
فمواقفُ أطراف لبنانيّة وتحديدًا من أحزاب "القوّات اللّبنانيّة" والكتائب و"الوطنيّون الأحرار"، إلى نواب تغييريين، وآخرين مستقلّين، وقفوا في صفّ أميركا خصوصًا والغرب عمومًا، وأيّدوا إسرائيل، الّتي سبق لها، وتعاملت مع هؤلاء، وتحديدًا ما كان يسمّى "الجبهة اللّبنانيّة" أثناء الحرب الأهليّة، حيث قام الجيش الإسرائيليّ باجتياحٍ عام ١٩٧٨ لجزءٍ من الجنوب، حتّى حدود نهر اللّيطاني، ثمّ في غزو لبنان عام ١٩٨٢، ووصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، بعد تنصيب بشير الجميل رئيسًا للجمهوريّة، الّذي اغتاله مقاومٌ وطنيٌّ هو حبيب الشّرتوني بعمليّة تفجير لبيت الكتائب في الأشرفية، في ٢٣ أيلول ١٩٨٢، ليخلفه شقيقه أمين في رئاسة الجمهوريّة تحت الاحتلال الإسرائيلي الّذي أخرجته المقاومة من لبنان على مراحل، وانتهى وجوده بعد عشرين عامًا في ٢٥ أيار ٢٠٠٠.
فيهودُ الدّاخل، أو المُتصهينون اللّبنانيّون، كانوا ركيزة المشروع الصّهيونيّ، في إقامةِ "إسرائيل الكبرى"، الّتي فشلَ تحقيقها عسكريًّا، ويتمّ السّعي إليها اقتصاديًّا، وعبر التّطبيع، باتّفاقات سلام، ومنها "اتفاق أوسلو" في أيلول ١٩٩٣، والّذي لم يُعطِ الفلسطينيين حقوقهم، لا بدولةٍ، ولا بحقّ العودةِ للاجئين، ولا بالقدس الشّرقية، أو وقف الاستيطان، وهذا يكشف أنّ "يهود الدّاخل" كانوا جسر العبور ليهود الخارج، الّذين قامت دولتهم، على تواطؤ الأنظمة العربية وخيانة حكّامها، ومنع الجيوش الغربيّة من تحقيق انتصارات، بل هزائم لحقت بهم في أعوام ١٩٤٨ و ١٩٦٧ و ١٩٧٣.
لذلك فإنّ بعض اللّبنانيين الّذين يدّعون السّيادة، وهم من كانوا أدوات وعملاء للعدو الإسرائيلي، صمتوا عن الجرائم الصهيونية، ودعوا "حزب الله" إلى عدم توريط لبنان في الحرب، تحت عنوان "قرار الحرب والسّلم" يجب أن يبقى في يد الدولة اللّبنانية، ولجأوا إلى خطاب تحييد لبنان، في ترجمةٍ لنهج البطريرك الماروني في أن يكون لبنان على الحياد، دون تفسيرٍ لهذه العبارة التي تحمل الكثير من الاجتهاد.
والتّاريخُ يكشفُ عن أن تعاون لبنانيين مع اليهود، قبل إنشاء كيانهم الغاصب، وبالتّحديد مطارنة من الكنيسة المارونية، وحزب الكتائب، إضافة إلى شخصيّات سياسيّة ودينيّة من طوائف مختلفة، حيث جاءت الحرب على غزة، لتستنفرَ بعض القوى المُتصهينة إلى طرح تحييد لبنان، والتّذكير بشعار "قوّة لبنان في ضعفه" الّذي كان يُطلقه بيار الجميل الأب، حيث لم يعلم "المُتصهينون"، بأنّ لبنانهم الضّعيف والمُحايد والّذي لا يرى بإسرائيل عدوًّا، قد تغيّر وأصبح لبنان المقاوم، منذ أن سقط "لبنان الصهيوني" في إسقاط اتّفاق ١٧ أيّار واندحار الجيش الإسرائيلي تباعًا من لبنان.
فأصحابُ الدّعوةِ إلى عدمِ زجِّ لبنان، في الحرب، هؤلاء يخدمون المشروع الأميركي - الصّهيوني، وهم ما زالوا في موقعهم السّياسي، الّذي كانوا عليه منذ عقود، ولم يتغيّروا، ولا يعترفون بانتصارات المقاومة، الّتي صمدت في وجه العدوان الإسرائيلي صيف ٢٠٠٦، وكانت حكومة فؤاد السنيورة، تدعو إلى تسليم المقاومة لسلاحها، فلم يحصل ذلك.

