عماد مرمل -خاصّ الأفضل نيوز
فعلتها إيران.
للمرة الأولى منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 شنت إيران هجوما مباشرا على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تطور غير مسبوق للمواجهة بين تل أبيب وطهران.
وإذا كان عدم وجود حدود برية مشتركة بين إيران وفلسطين المحتلة، قد فرض على طهران خلال عقود أن تخوض الصراع مع الكيان الإسرائيلي بأشكال ووسائل غير مباشرة، فإن الاعتداء الإسرائيلي، الكاسر للتوازن، على القنصلية الإيرانية، دفع طهران إلى تذويب أو تطويع الجغرافيا، والانتقال من الخطوط الخلفية للمواجهة إلى تلك الأمامية، بعدما أصبحت هيبة إيران وقدرتها الردعية على المحك.
هكذا، استعانت إيران بالمسيّرات والصواريخ البالستية لاختصار المسافات التي تفصلها عن الكيان ولإيصال رسالة نارية إلى تل أبيب فحواها أن قواعد الاشتباك السابقة تبدلت وأن تجاوز الخط الأحمر ليس امتيازا إسرائيليًّا فقط، بل إن طهران بدورها تستطيع القفز فوقه عندما تدعو الحاجة.
والمؤكد أن ما استخدمته طهران في ردها العسكري على استهداف القنصلية ليس سوى الحد الأدنى من قدراتها، وأن الكثير من أوراقها وأسلحتها لا يزال مخفيا، خصوصا أنها تتحسب لاحتمال تدحرج المواجهة نحو جولات أخرى إذا اختار الكيان أن يرد على الضربة التي تلقاها، ما يعني حينها أن إيران ستكون ملزمة مرة جديدة برد أعنف وأقسى على تل أبيب، ولذلك فهي كانت حريصة على عدم حرق المراحل واستهلاك خياراتها العسكرية من الجولة الأولى التي استطاع حائك السجاد الإيراني أن ينسج خيوطها بدقة على قاعدة الجمع بين فعالية الرد وبين تفادي التهور الذي قد يحمّل طهران مسؤولية أي حرب واسعة في المنطقة.
وبهذا المعنى، فإن طهران تركت الكرة في ملعب الاحتلال الإسرائيلي الذي عليه إما أن يبتلع الضربة ويقبل بالتعادل على أساس واحدة بواحدة، وإما أن ينساق خلف عنجهيته ويعمد إلى الرد داخل إيران وبالتالي تحمل مسؤولية إمكان تدحرج الإقليم إلى تصعيد أخطر، لاسيما أن إيران ستلجأ إلى الرد مجددا وبقوة أكبر.
ولعل واشنطن القلقة على مصالحها الحيوية وسط العاصفة، ستكون معنية بالسعي إلى ضبط إيقاع بنيامين نتنياهو وبمحاولة إقناعه بأن تقف الأمور عند هذا الحد، علما أن نتنياهو يبدو أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما أن يرد ويندفع عندها إلى مغامرة غير محسوبة وإما أن يغض الطرف مع ما سيلحقه ذلك من ضرر إضافي بصورة الكيان وقوته الردعية.
وإلى أن يقرر العدو الإسرائيلي طبيعة خطوته المقبلة، كان لافتا أن "تلامذة" مدرسة "عنزة ولو طارت" في لبنان أصروا على تسخيف الرد الإيراني والتقليل من شأنه، معتبرين إياه مجرد مسرحية هزلية أو مفرقعات نارية، متجاهلين مفاعيله الاستراتيجية، وذلك في انعكاس لسياسة الزواريب الضيقة التي يعتمدها هؤلاء.
على الضفة الأخرى، هناك من يعتبر أن ما حصل يكاد يكون 7 أوكتوبر الإيراني الذي من شأنه أن يغير قواعد اللعبة في المنطقة وأن يترك تأثيرا كبيرا في مجتمع الكيان، تماما كما أن 7 أوكتوبر الفلسطيني كان له فعله الكبير والمدوي الذي ستظل أصداؤه تتردد لوقت طويل.
وبالنسبة إلى المقتنعين بجدوى الضربة الإيرانية فإن أهميتها الجوهرية لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية المتمثلة في اقتحام أجواء الكيان بالمسيرات والصواريخ وإصابة مطار رامون العسكري وأماكن أخرى، بل في الدلالات الاستراتيجية الآتية:
- تنفيد قرار الرد على الرغم من كل التهويل الإسرائيلي والغربي الذي سبقه، وبهذا المعنى فإن مجرد حصول الرد هو في حد ذاته إنجاز نوعي أيًّا تكن حصيلته الميدانية.
- تأكيد طهران أنها لا يمكن أن تتساهل إزاء أي انتهاك لسيادتها كما جرى عبر قصف قنصليتها.
- سقوط المحرمات في معادلة الصراع بين محور المقاومة والكيان الإسرائيلي.
- تهاوي نظرية أن إيران تقاتل بالواسطة أو بالوكالة عبر حلفائها في المنطقة ولا تتجرأ على الاشتباك المباشر مع "إسرائيل."
- إعادة الاعتبار لقواعد الردع عقب تصدعها بعد الغارة على القنصلية.
- التأسيس لمعادلة جديدة في الإقليم على أساس توازن ردع أكثر وضوحا، سيحسن موقع المحور وطهران في المواجهة أو التسوية.
- ثبوت امتلاك إيران الجهوزية والاستعداد للتعامل مع سيناريو حرب شاملة إذا تطورت الردود والردود المضادة.
- انكشاف حاجة الكيان المستمرة إلى مساعدة غربية لحماية أمنه كما تبين من التدخل الأميركي البريطاني والفرنسي لاعتراض المسيرات والصواريخ، إلى جانب معونة بعض العرب، ما يثبت أن نظرية التفوق الإسرائيلي مبالغ فيها وأنها تفقد الكثير من وزنها وقيمتها بلا الدعم الخارجي.

alafdal-news
