عبد الله قمح - خاصّ الأفضل نيوز
بعد الضربات التي مُنيت بها منذ دخولها إلى الملف اللبناني بشكل رسمي عقب انفجار مرفأ بيروت 2020، قررت إدارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إجراء تغييرات شاملة حول رؤيتها للملف اللبناني. وتظهر التطورات الأخيرة أن باريس، ركزت جهودها الحالية في شأن التطورات المنصبة حيال تأمين وقف لإطلاق النار في جنوب لبنان، وذلك من خلال تقديم ما سمي "ورقة عمل" تتصل تحديداً بإيجاد "تفاهمات" بين لبنان و"إسرائيل" حيال تنفيذ بنود القرار 1701، وهو ما يعني خروجاً فرنسياً واضحاً عن مضمون "الخطة" السابقة التي تقدمَ بها وزير الخارجية "ستيفان سيغورنيه" ولاقت رفضاً شديداً من جانب السياسيين اللبنانيين، لكونها تمحورت حول نقاط تكاد تكون أقرب إلى "إسرائيل" منها إلى بيروت.
هذه التغييرات، تأتي بنتيجة المشاورات الجارية بين الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في شأن الملف اللبناني. وتبعاً للمعطيات، يبدو أن تفاهمات أميركية – فرنسية أبرمت في شأن كيفية التعاطي في مسألة الملف اللبناني. وعلى الأرجح، سرى الاتفاق بعد تأمين اتفاق حول "آلية عمل مشتركة" بين الجانبين، تؤدي فعل التنسيق بينهما، ولا تقود إلى تداخل في شأن الملفات التي يعمل عليها الجانبان.
وبُعَيد زيارة وزير الخارجية "أنطوني بلينكن" إلى باريس، ومن ثم زيارة المبعوث الرئاسي الفرنسي للبنان المقيم في المملكة العربية السعودية، "جان إيف لودريان"، إلى واشنطن ولقائه بالمبعوث الرئاسي الأميركي آموس هوكشتاين، سرت مفاعيل تفاهمات مشتركة بين الطرفين، أفضت كما تشير المعلومات، إلى تقسيم الملفات، بحيث ينحصر دور فرنسا في تهيئة الأجواء والظروف من ضمن اللجنة الخماسية في شأن الملف الرئاسي اللبناني، مع التزام من جانبها بتقديم المساعدة لانتخاب رئيس، واقتناع مفاده أن المسار الرئاسي اللبناني بات محكوماً بتطورات الوضع في قطاع غزة، وهو المبدأ الذي توصل إليه الأميركيون مؤخراً. من جانب ثانٍ، أبدت باريس حرصاً واضحاً على الدخول إلى عمق الملف الأمني وما يتصل في جنوب لبنان، وقد نالت موافقة من جانب واشنطن، على اعتبار أن باريس تستطيع الحديث مع حزب الله الذي هو الطرف الرئيسي في ما يجري في جنوب لبنان، وهو الدور الذي منحت إياه باريس عوضاً عن الدور السياسي، علها تنجح به وتعوض فشل السنين الماضية.
بموازاة الدخول في ملف الجنوب، تبدو باريس مستعدة لتأمين خدمات في ما له علاقة بملف النازحين السوريين في لبنان، والذي شكل الملف الأساس بزيارة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى العاصمة الفرنسية مؤخراً. وأمام ميقاتي وقائد الجيش جوزيف عون الذي اصطحبه معه، أبدى الفرنسيون استعداداً لإسداء خدمات لها علاقة بتأمين تفاهمات أوروبية حيال إمكانية فتح مسار "عودة" النازحين السوريين إلى بلادهم، أو على الأقل تأمين مناطق آمنة لهم داخل سوريا، على اعتبار أن أكثر من 80% من الأراضي السورية أصبحت خارج الحرب وتحت سيطرة الدولة السورية. لكن العقبة تبقى في موقف الحكومة السورية من جهة، وموقف الحكومات الأوروبية الحليفة لباريس، والتي يتبنى الجزء الأكبر منها مواقف متشددة إزاء إعادة النازحين السوريين بشكل خاص أو التعاطي مع "النظام السوري" بشكل عام.
وعلم في هذا الاطار، أن فرنسا وكما تبدي مجهوداً سياسياً وأمنياً داخل لبنان، تحاول أيضاً تقديم مجهود استثنائي في ما خص سوريا، وذلك أملاً في تحسين العلاقات مع هذه الأخيرة من جهة، ولمحاولة التعويض عن خسارة سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة تتعرض لها في مناطق نفوذها التاريخي، لاسيما في أفريقيا، بالإضافة إلى تعرضها لنكسات في كلٍّ من العراق وإيران واستطرادا لبنان. ويبدو واضحاً لباريس أن الولايات المتحدة وروسيا على رأس الدول التي تدفع صوب إخراجها من معاقلها التاريخية أو تخفيف حضورها فيها، تماماً كما يجري في لبنان، حيث أدى الدخول الأميركي المباشر إلى "إبعاد" باريس عن التأثير السياسي لمصلحة الحضور الأميركي، وقد منحت من "الجمل أذنه" بدليل تركها تتفرغ للملف الأمني الجنوبي، البالغ التعقيد، والذي يتخوف الفرنسيون أن يصيبهم فيه ما أصابهم في الملفات السياسية، وسط اقتناع لديهم أن حلفاء الولايات المتحدة في لبنان (وهم بالمناسبة حلفاء تاريخيون لفرنسا) يفضلون التعاون مع الأولى على الثانية.

alafdal-news
