د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
لطالما كان السؤال اللغز عن "اليوم التالي" في غزة، الشغل الشاغل لأهل غزة المنكوبين، ومن ورائهم الدول المعنية بالحرب الدموية على القطاع، إضافة الى الرأي العام العالمي الحرّ الذي يضغط بقوة لإنهاء هذه المذبحة المفتوحة في فلسطين المحتلة.
وبعد أن عجز الجميع عن معرفة ما يخبئه الكيان الإسرائيلي الفاشي، وشريكه وداعمه الأساسي بالحرب، ونقصد هنا الولايات المتحدة، أفرج المسؤولون الأمريكيون أخيرا عن الإجابة التي انتظرها الجميع. لكن الصدمة الكبرى أنها جاءت مفاجأة من حيث مضمونها المرّ والقاتم والمظلم والذي تقشعر له الأبدان، ومفادها " بأن" اليوم التالي سوف يكون طويلاً ودموياً".
من هنا، يتعامل الوسطاء الأمريكيون، مع هذه الحقيقة الصارخة التي تواجههم، وهم يسعون إلى التوصل إلى هدنة بدعم جديد من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فتقديراتهم العسكرية والسياسية ـــ المبنية على معلومات ومعطيات، وليس مجرد تكهنات نظرا لمشاركتهم الفعاّلة بإدارة الحرب والمفاوضات معا ــ تشير إلى أنه حتى لو وافقت حماس وانتهى القتال الرئيسي، فإن إسرائيل ستظل ملتزمة بتجريد "الحركة" من السلاح، وبالتالي من غير المرجح أن تقبل أي حكومة إسرائيلية مستقبلية بأقل من ذلك. بالمقابل ثمة قناعة راسخة لدى واشنطن أن "حماس" حتما ستقاوم ولن تستسلم.
وما هي الرؤية الأمريكية لوقف الحرب؟
في الواقع، أن بداية النهاية لحرب غزة بالنسبة للعديد من الخبراء والمراقبين الغربيين، تتمثل، بأن يقوم المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، بإنشاء إطارًا أمنيًا للحد من الهجمات الدموية لجيش الاحتلال، وبالتالي تجنب وقوع ضحايا بين المدنيين. على أن تتحرك إدارة بايدن في هذا الاتجاه، بدعم من القيادة العسكرية الإسرائيلية، إن لم يكن من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ولهذه الغاية، يواصل وزير الخارجية أنتوني بلينكن دبلوماسيته المكوكية المتقطعة، حيث حطّ هذا الأسبوع، في إسرائيل على أن يليها جولة على بعض بلدان المنطقة. الأكثر أهمية في هذا السياق، أن رئيس الدبلوماسية الأمريكية، ذكّر نتنياهو من تل ابيب بأن "النصر الكامل" يمكن أن يكون سرابًا، مستحضرا فشل بلاه المماثل، (أي أمريكا) التي تعلمت بالطريقة الصعبة في العراق وأفغانستان، أنها تستطيع الفوز في كل معركة، ولكنها تخسر الحرب - لأنها كانت تفتقر إلى استراتيجية سياسية واقعية.
وتبعا، لذلك يأمل بلينكن أن يقبل "قادة حماس" بالخطة الأمريكية لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى الصهاينة، وبدء ما قد يكون طريقًا طويلًا ووعرًا بلا شك نحو سلام دائم.
الجدير بالذكر هنا، أن حماس كانت سلمت ردها على خطة بايدن، إلى قطر ومصر الثلاثاء الفائت، بحيث أعطت الأولوية لضرورة وقف العدوان المستمر على غزة نهائيا، والانسحاب من قطاع غزة بالكامل". لذلك قال القيادي في "حماس" أسامة حمدان لقناة "الميادين" "قدمنا بعض التعليقات على الاقتراح للوسطاء"، وأضاف: "ردنا هو تأكيد واضح على التزامنا بوقف إطلاق النار والانسحاب من غزة، وهو التزام نتمسك به باستمرار". ومع ذلك، لم يعلق مسؤولو الإدارة الأمريكية على ما قد يعنيه ذلك.
عن خطة إسرائيل "لليوم التالي" المسماة "الفقعات الإنسانية" ونموذج "شركة بلاك ووتر" ؟
في الحقيقة، أن أغلب القادة الإسرائيليين متفقون على أن الوقت قد حان للتفكير في عملية انتقالية في غزة. ووفقا لأحد المسؤولين الأميركيين، تريد إسرائيل "تحولاً هبوطياً" جزئيا هناك، حتى تتمكن من التركيز بشكل أكبر على التهديد المتزايد الذي يشكله حزب الله في لبنان.
أكثر من ذلك، لدى إسرائيل خطة لليوم التالي (والكلام هنا على ذمة مسؤولين أمريكيين)، كان أقرها مجلس الوزراء الحربي بموافقة رئيس الحكومة الفاشية بنيامين ـ نتنياهو ـــ قبل استقالة زعيم المعارضة بيني غانتس نهاية الأسبوع الماضي ــــ بعدما اقترحها وزير الدفاع يوآف غالانت (الذي لا يزال في الحكومة) ويطلق عليها الاسم المختصر "الفقاعات الإنسانية".
وما هي خطة"الفقاعات الإنسانية"؟
عمليا، تقوم هذه الخطة، على أن إسرائيل ستبدأ عملية انتقالية أحادية الجانب في منطقة في شمال غزة تكون خالية إلى حد كبير من مقاتلي "حماس". وبعد إقامة محيط محكم هناك، سينسحب الإسرائيليون ويتركون الحكم والأمن المحلي، لمجلس فضفاض يتألف من عائلات محلية بارزة، وتجار ونقابات عمالية، وأعيان آخرين.
الأسوأ، أن مُعدي الخطة الصهاينة، يتوهمون أنه لتوفير القدرة والقوة اللازمة لإبعاد "حماس" والحفاظ على النظام، ستعتمد هذه المجموعة الحاكمة، على فلسطينيين محليين تم فحصهم ودعمهم بقوة دولية وعربية ذات الخبرة من دول مثل مصر. أما البند الأخطر، في خطة "الفقاعة" هذه، هو النية لتوظيف مقاولين أمنيين غربيين، على غرار نموذج "شركة بلاك ووتر" السيئة السمعة والصيت.
وعليه يرى مسؤولون إسرائيليون أن خطة "الفقاعة"، ستكون نموذجًا تجريبيًا قد تحظى بالدعم تدريجيًا من الفلسطينيين الآخرين الذين "هم في أمس الحاجة إلى العمل والأمن".
ليس هذا فحسب، يؤكد هؤلاء المسؤولون، أن الهدف هو إضعاف حماس مع خلق مساحة سياسية بديلة حيث يمكن تسليم المساعدات الإنسانية بشكل آمن، يليها البدء بإعادة الإعمار. وفي الوقت نفسه، خارج خطة "الفقاعة الإنسانية"، فإن معركة القضاء على "حماس ستكون أمراً ضرورياً، خصوصا وأن معظم الفلسطينيين في غزة لا يعتقدون أن حماس فقدت السلطة.
لذا ولكسر هذه الحالة النفسية، كما (يوضح المسؤولون الصهاينة)، كان على إسرائيل ملاحقة حماس من خلال الاستيلاء على ممر رفح الشهر الماضي. وبناء على ذلك يطرح القادة الصهاينة، رؤيتهم للمرحلة المقبلة، بالقول، إنه يتعين على إسرائيل أن تستمر في محاولة القضاء على "قيادة حماس"، والتمسك بشكل حاسم بهدف نزع سلاحها.
على المقلب الآخر، يزعم المسؤولون الصهاينة، أن اللجوء إلى السلطة الفلسطينية ليس أمراً منطقياً، لأنها لا تضم سوى بضعة آلاف من الأعضاء الذين يمكن الاعتماد عليهم في غزة، كما أن قادتها كبار في السن ومتعبون ومكروهون من جانب الجمهور. تبعا لذلك لا يوجد "تنشيط" للسلطة الفلسطينية حتى الآن، كما يقول أحد المسؤولين الإسرائيليين.
وما هو موقف الأمريكيين من "الفقاعة الانسانية"؟
في الحقيقة، كشف المسؤولون الأمريكيون عن أنهم متشككون في هذه الخطة. فمن جهة تعتبر بنظرهم نموذجا أقرب الى "مجتمع مسور" في ضاحية خيالية، بعيدة عن غزة. ومن جهة أخرى، تحاكي الخطة، مفهوم "القرية الاستراتيجية" الذي أثبت فشله في فيتنام. هذا عدا عن عدم ارتباطها بالسلطة الفلسطينية، الخصم الفلسطيني الأقوى لحماس.
في المحصلة، إن الخطة الإسرائيلية لغزة، لا تخرج عن كونها تخيلات غير قابلة للتطبيق إزاء الواقع المعقد بغزة. حتى طرح إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، يبقى ناقصا إن لم يلزم إسرائيل بوقف نهائي ودائم لجرائمها بغزة. حينها فقط، يمكن لواشنطن ومعها المجتمع الدولي الحديث عن مرحلة انتقالية فعلية، يقرر أهل غزة وحدهم ، خلالها شكل الحكم الذي يريدونه سواء مع أو بدون حماس، أو بمشاركة قوة أمنية دولية للعمل مع الفلسطينيين المحليين.

alafdal-news
