كمال ذبيان – خاص "الأفضل نيوز"
تهتزّ الحكومةُ برئاسةِ نواف سلام ولا تسقط، وهي تمرّ منذ تشكيلها قبل أكثر من عام، وقد ضمّت غالبيةَ المكوّنات السياسية والطائفية بقطوعات، لا سيّما في القرارات الوطنية والمصيرية، كمثل قرارَي حصرية السلاح وتكليف الجيش بتنفيذه. فحصل خلافٌ حول آليته الجغرافية والزمنية، حسمته قيادة الجيش بوضع خطة تنفيذية على مراحل.
فسجّل وزراء الثنائي، حركة "أمل" و"حزب الله"، اعتراضًا على أسلوب عرض القرار، بالانسحاب من الجلسات التي كانت الحكومة تتخذ فيها مثل هذه القرارات، في 5 و7 آب، وخمسة أيلول، وأخيرًا 2 آذار، عندما التأمت الحكومة وأقرّت بأن تنظيم "حزب الله" العسكري غير قانوني ولا شرعي، ولا يملك قرار الحرب والسلم.
فتفرّد بإطلاق ستة صواريخ على فلسطين المحتلة إسنادًا لإيران، ولعدم التزام العدو الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار.
وجاء قرار وزير الخارجية يوسف رجي بطرد السفير الإيراني، الذي لم يقدّم أوراق اعتماده أمام رئيس الجمهورية جوزاف عون، ليصبّ الزيت على النار التي يتم إضرامها في القرارات والبيانات والمواقف من أطراف سياسية، يُخشى أن تصل إلى إشعال فتنة داخلية يُحضَّر لها، في ظل الحرب الإسرائيلية على "حزب الله" خصوصًا ولبنان عمومًا، واحتلال إسرائيل لأراضٍ قد توسّعها إلى حدود نهر الليطاني، وإقامة منطقة عازلة لحزام أمني خالٍ من السكان ومدمّر.
في ظل هذه الأوضاع السياسية والعسكرية، فإن التصدّع الداخلي بدأ يظهر، يعزّزه الخطاب السياسي الذي وصل إلى حد الدعوة إلى عزل المكوّن الشيعي، لا سيّما "حزب الله"، بإخراجه من الحكومة بعد حظر عمله العسكري، لأنه ليس حزبًا لبنانيًّا، بل هو فصيل من فصائل الحرس الثوري الإيراني، كما أُعلن عنه من رئيس الحكومة ووزراء آخرين فيها، مع أطراف سياسية مناوئة له. وما صدر عن "لقاء معراب -3-"، الذي دعا إلى محاكمة "حزب الله" وتدفيعه مع إيران تكاليف الحرب، فتصف مصادر سياسية هذه الأجواء بأنها ملبّدة جدًّا، وستمطر وحولًا، وتنهمر مياهًا جارفة.
والوضع الحكومي غير المتماسك يدفع به خصوم "حزب الله" إلى إحراجه لإخراجه من الحكومة، وهو ما عبّر عنه رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع صراحة، كمثل أن يقوم الجيش، قبل وقوع الحرب، بمداهمة مقرات "حزب الله" ومخازنه في كل لبنان، ونزع سلاحه بالقوة. فلم يتجاوب قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع هذه الدعوة، وتناغم معه رئيس الجمهورية جوزاف عون، لدرء انقسام حول المؤسسة العسكرية، التي كانت السلطة السياسية منذ عقود هي التي تشلّها وتشرذمها.
فالمطالبة بعزل "حزب الله" سياسيًّا، وهو ليس مرخّصًا قانونيًّا، والدعوة إلى تخييره بين البقاء في الحكومة أو الاستقالة منها، هو ما يعمل عليه الفريق السيادي، الذي يلاقي دعمًا خارجيًّا، لا سيّما أميركيًّا. وكانت مطالبة واشنطن دائمًا ألّا يتمثّل "حزب الله" في الحكومة، لأنه مصنّف أميركيًّا إرهابيًّا، وكانت التسوية بتوزير أشخاص ليسوا منتمين إلى "حزب الله"، بل أصدقاء له، ولا يرفعون العداء لأميركا بشكل مباشر.
ولم يستجب "حزب الله"، ومعه حليفته حركة "أمل"، لمحاولة دفعهما للاستقالة من الحكومة والاعتكاف، بل سيبقون فيها وفق ما تقول مصادرهما، وأنهما سيتعاطيان معها "على القطعة"، ويعملان ما في قدرتهما على شلّ قرارات الحكومة أو تعليق العمل بها بالطرق المناسبة، في مرحلة خطيرة ودقيقة يتعرّض فيها لبنان للحرب الإجرامية التدميرية من العدو الإسرائيلي.
وعندما دخل "حزب الله" إلى الحكومة في العام 2005، ولأول مرة بعد الانسحاب السوري من لبنان، ليكون في موقع القرار المنوط بمجلس الوزراء، خاض معارك سياسية وعسكرية للحصول على "الثلث الضامن" داخل الحكومة، التي استأثر بها فريق 14 آذار بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولم يلتزم بالتحالف الرباعي ولا بالميثاقية الدستورية. وكان المطلوب من الحكومة برئاسة فؤاد السنيورة تطبيق القرار 1559 الذي يطالب بنزع سلاح الميليشيات، وأدّى ذلك إلى حرب تموز 2006، ثم أحداث سبعة أيار 2008 بعد شبه "حرب أهلية باردة".
هذا الانقسام السياسي، مع خطاب تحريضي طائفي وديموغرافي، ودعوات إلى عزل "حزب الله" سياسيًّا بعد حظره عسكريًّا، يؤشر إلى أن لبنان متّجه إلى اللااستقرار داخلي، يمنعه خطاب وطني ودور للجيش في الحفاظ على السلم الأهلي.

