ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
(نهر سحمر يا ميّة بتغنّي عالحجر.. يا ضحكة ضيعتنا لمّا الصبح يمرّ ).. وفوق النهر يمتدّ جسراه، كأنّ الذاكرة نفسها واقفة تتأمّل ما كان وما صار.
ليسا جسرين عاديين يربطان بين سحمر ومشغرة، بل معلمان شكّلا ذاكرة حيّة لأبناء المنطقة، واختزلا تفاصيل الحياة اليومية التي عاشتها أجيال متعاقبة على ضفّتي النهر. هنا كانت النسوة يحملن "لكنات" الجلي والغسيل، وينزلن مشيًا نحو النهر، يغسلن الثياب على الصخر، وتختلط أحاديثهن بخرير المياه، فيما كان الأطفال يسبحون ويملأون المكان بضحكات بقي صداها في الذاكرة.
كما نسجت المخيّلة الشعبية حول المكان حكايات وأقاويل، تحدّثت عن "جناني" كانوا يتجمّعون في المغاور القريبة، فصار النهر ليس مجرد جغرافيا، بل مساحة تمتزج فيها الحقيقة بالأسطورة، وتتحول إلى جزء من هوية الضيعة.
وعلى مقربة منه، دارت طاحونة الضيعة يومًا، شاهدة على حياة اقتصادية واجتماعية نشطة، قبل أن تتوقف مع تطوّر الحياة وتغيّر الظروف، وتراجع المياه خصوصًا في بعض فصول الشتاء، لتسكت الطاحونة وتبقى الذكرى شاهدة على الماضي.
ويُذكر أن أحد الجسرين يعود عمره إلى عشرات السنين (1953)، ما يمنحه قيمة تاريخية إضافية، إذ عبرته أجيال من أبناء سحمر ومشغرة، وارتبط بمحطات طفولتهم وأعمالهم اليومية ومواسمهم.
غير أن الجيش الإسرائيلي دمّر الجسرين بالكامل، رغم قيمتهما التراثية وكونهما من أغلى المعالم في ذاكرة الأهالي. لم يكن الاستهداف مجرد تدمير لحجر، بل محاولة لقطع صلة بين الماضي والحاضر، وبين الناس والمكان الذي شكّل جزءًا من حياتهم.
في هذا المشهد، يستحضر كثيرون رمزية الماء والنهر في النصوص الروحية، حيث يقول المزمور: «مَجَارِي الأَنْهَارِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ الله» (مزمور 46:4)، وكأن النهر كان فعلًا مصدر حياة وفرح للضيعة.
ويقول أيضًا: «صَوْتُ الرَّبِّ عَلَى الْمِيَاهِ» (مزمور 29:3)، في إشارة إلى قدسية هذا العنصر الذي رافق الناس في يومياتهم.
وفي إنجيل يوحنا: «مَنْ آمَنَ بِي… تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيّ» (يوحنا 7:38)، وكأن المعنى يتجدّد بأن الحياة لا تنقطع حتى لو تغيّرت المعالم.
الجسران سقطا… ذاكرة سحمر صامدة، تمرر نفسها إلى الأجيال القادمة، خطوات النسوة، وضحكات الأطفال، وصدى الطاحونة… كلها باقية في المياه والحجر.

