أكرم حمدان_خاص "الأفضل نيوز"
منذ توقيع اتفاق الهدنة عام 1949، وصولا إلى تفاهم نيسان 1996، مروراً بالقرار 1701 عام 2006 وترسيم الحدود البحرية عام 2022 واتفاق أو تفاهم تشرين عام 2024، بقيت التجربة الوحيدة المختلفة لمسألة التفاوض المباشر بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي، هي تجربة 17 أيار 1983 التي سقطت فيما بعد نظراً لعدم تحقيقها التوافق الداخلي المطلوب، فهل ستكون تجربة نيسان 2026 حول المفاوضات المباشرة، مختلفة عن التفاهمات السابقة أم ستتكرر معها تجربة أيار، على الرغم من اختلاف الظروف وربما الأهداف المحيطة بكل واحدة من تلك التجارب؟؟
ولأننا في لبنان، ونظراً لتلك التركيبة المنفردة التي يتميز بها هذا البلد العجيب، فإنه من الطبيعي أن يبرز وينطلق الجدل السياسي ومن ثم الدستوري حول هكذا قضية حساسة ومهمة على الصعيد الوطني العام.
فهناك من هو ضد مبدأ التفاوض مع كيان الاحتلال بالمطلق، وقد عبّر هؤلاء عن مواقفهم بشكل علني، وهناك من يرى أن باب التفاوض المباشر مع الاحتلال هو السبيل الوحيد ربما لوقف الحرب واستعادة الحقوق.
وبين هذين الموقفين أو التوجهين، تبرز كالعادة الإسقاطات الدستورية والقانونية على المواقف السياسية، حيث يرى معارضوا التفاوض المباشر، أن في لبنان منظومة قانونية واضحة وصارمة تجرّم التواصل أو التفاوض مع إسرائيل، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، وتشمل هذه المنظومة قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955 الذي تنص المادة السابعة منه على عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث إلى عشر سنوات، إلى جانب غرامة مالية.
أيضاً هناك قانون العقوبات اللبناني ولا سيما مواده من 285 حتى 287، إضافة إلى المادتين 274 و275 اللتين تجرّمان الاتصال بدولة أجنبية أو بالعدو بهدف دفعها إلى العدوان على لبنان أو معاونتها بأي وجه كان، وتصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو الإعدام إذا أدى الفعل إلى نتيجة.
ويرى أصحاب هذا التفسير القانوني أن التواصل أو التفاوض أو أي تعامل مع إسرائيل محظور بشكل مطلق على كل شخص طبيعي أو معنوي، ويُعتبرجريمة يُعاقب عليها القانون، ولا يوجد في النصوص القانونية اللبنانية أي استثناء يجيز التفاوض المباشر مع إسرائيل، إلا في حال صدور قانون خاص أو تعديل تشريعي يرفع الحظر أو يجيز ذلك بشكل صريح.
ويدعو أصحاب هذا الرأي إلى التوفيق بين الضرورات السياسية والقيود القانونية واتباع المسار الدستوري السليم، الذي يتطلب وجود قانون يجيز التفاوض إذا كان هناك من ضرورة لذلك، وهذا يقتضي تعديل أو إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل أو إصدار قانون خاص.
وبحسب المادة 52 من الدستور اللبناني، يتولى رئيس الجمهورية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح المعاهدة مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. أما المعاهدات التي تتعلق بمالية الدولة أو المعاهدات التجارية أو تلك التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب.
أما أصحاب الرأي المؤيد للتفاوض المباشر، فقد التقوا مع المعارضين أولاً بإن صلاحية المفاوضات تعود لرئيس الجمهورية وفقاً للمادة 52 من الدستور، لكنهم يعتبرون أن القول بأن أي تفاوض مع إسرائيل بحاجة إلى تعديل دستوري، هو كلام غير صحيح كون الدستور بالأساس لا يمنع التفاوض المباشر مع إسرائيل ولا حتى يشير إلى كلمة أو عبارة "إسرائيل"، حتى أن المادة الأولى التي حددت حدود لبنان وبحدودها الجنوبية قالت حدود قضائي صور ومرجعيون ولم تأت على ذكر لا إسرائيل ولا فلسطين المحتلة وبالتالي فإن الدستور لا ينص أبداً على ضرورة أن لا يحصل تفاوض مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل.
ويذكر أصحاب هذا الرأي بالاتفاقيات والمعاهدات التي وقعت مع إسرائيل ، إن كانت مباشرة أو غير مباشرة ومنها كاتفاقيات مباشرة هدنة 1949 واتفاق 17 أيار 1983 الذي ألغي بعدها، أما الاتفاقيات غير المباشرة فهناك تفاهم نيسان عام 1996 والقرار 1701، 2006 وترسيم الحدود البحرية عام 2022 واتفاق تشرين عام 2024 ، هذه كلها اتفاقيات وقعت مع إسرائيل إن كان مباشرة أو غير مباشرة ، لذلك الكلام حول إمكانية أو ضرورة تعديل الدستور ليس في مكانه الصحيح.
وعن قانون العقوبات وقانون مقاطعة إسرائيل، يرى أصحاب هذا التفسير أنها تخص الشركات والمؤسسات والتجار، ولا تنطبق على الدولة التي هي من يحدد السياسة الخارجية وما إذا كانت ترغب بالتفاوض مع طرف معين، علما أن التفاوض لا يحصل إلا بين الأطراف المتنازعة، وبالتالي القوانين المذكورة لا تمنع الدولة اللبنانية من التفاوض مع إسرائيل، وحتى التلويح بملاحقة السفيرة اللبنانية في واشنطن، هو في غير محله، فالدستور والقوانين المرعية الإجراء مناطة بضرورة المحافظة على استقلال لبنان وسلامته ووحدة أراضيه والمادة 49 من الدستور قد منحت رئيس الدولة صفة رئيس الدولة رمز وحدة الوطن والساهر على احترام الدستور وإليه تؤول صلاحية المحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. ويرى أصحاب هذا الرأي أنه عندما يرى رئيس الدولة أن استقلال لبنان مهدد ووحدة الأراضي مهددة وجزء كبير من الأرض اللبنانية محتل وهناك خطر على سلامة لبنان وسلامة مستقبله، ويتخذ القرار بالاتفاق مع رئيس الحكومة من أجل إجراء تفاوض،لا يمنعه بذلك قانون صادر لا يعنيه بأي شكل من الأشكال.
وما بين الفريقين، هناك من يُذكر بنص المادة ٦٥ من الدستور التي تتحدث عن سلطة مجلس الوزراء، وأهم الصلاحيات ومنها "وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات"، ما يعني أن مجلس الوزراء مجتمعاً يملك الحق في رسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية .
كذلك، فإن هذه المادة أشارت إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، من ضمن المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة أكثرية ثلثي مجلس الوزراء، ما يعني أن أي اتفاقية أو معاهدة لا تكون ملزمة للبلاد إلا بعد موافقة مجلس النواب عليها وتحويلها إلى جزء من القوانين الداخلية،التي تُعامل وتتعامل على أساسها السلطات في الدولة.

